عاجلفن

وحيد سيف في ذكراه.. كيف تحولت حياة صانع البهجة من مسارح “شكسبير” إلى جنازة غابت عنها الأضواء؟

كتبت- رضوي السبكي

تمر هذه  الأسام ذكرى رحيل الفنان القدير وحيد سيف، الذي غادر عالمنا في التاسع عشر من يناير، مخلفاً وراءه إرثاً فنياً هائلاً من الضحك والبهجة التي رسمها على وجوه الملايين لأكثر من أربعة عقود.

وحيد سيف، الذي كان يمتلك قدرة استثنائية على “إضحاك الصخر” بمجرد إيماءة وجه أو لفتة كوميدية، رحل وفي قلبه غصة من “غدر الفن”، بعد أن وجد نفسه في سنواته الأخيرة يواجه المرض والفقر بمفرده، في تناقض صارخ مع السعادة التي وهبها للجمهور.

البدايات.. من دراسة التاريخ إلى مسرح شكسبير

لم تكن بداية “مصطفى سيد أحمد سيف”، وهو الاسم الحقيقي للفنان، بداية كوميدية بحتة. فقد ولد في مدينة الإسكندرية في مارس 1939، ونشأ بين أروقتها العريقة، وانضم لفرقة التمثيل بالإسكندرية في سن مبكرة. المثير في مسيرة وحيد سيف أنه حصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ، وخلال دراسته الجامعية شارك في عروض مسرحية عالمية جادة لمؤلفين مثل “شكسبير”، بالإضافة إلى مسرحيات كلاسيكية مثل “حسن ومرقص وكوهين”.

انطلق بعدها للمشاركة مع فرقة الريحاني في مسرحية “إنهم يدخلون الجنة”، لتبدأ رحلته الاحترافية في عام 1965، حيث تميز بأسلوب خاص في الأداء يعتمد على الارتجال المدروس وخفة الظل الفطرية التي لا تشبه أحداً.

الحياة الشخصية.. خلود عوضتني عن كل شيء

تزوج وحيد سيف مرتين، الأولى كانت من الفنانة ألفت سكر، وأنجب منها أبناءه الذين ورثوا عنه جينات الفن، وهما الفنان أشرف سيف والفنان ناصر سيف، بالإضافة إلى ابنتيه إيمان وإيناس. أما الزيجة الثانية فكانت من الصحفية اللبنانية “خلود”، التي وصفها في لقاءاته الأخيرة بأنها كانت “الملاذ والسكينة”، مؤكداً أنها عوضته عن مرارة الأيام، وكان يستشيرها في أدق تفاصيل أعماله الفنية.

المسرح والسينما.. رحلة الثراء الفني

يُعد وحيد سيف “غول مسرح” من الطراز الرفيع، حيث شارك في عروض رسخت في وجدان المشاهد العربي، منها:

روبابيكيا وعازب و3 عوانس.

دول عصابة يا بابا مع الفنان محمد نجم.

شارع محمد علي مع “وحش الشاشة” فريد شوقي، وهي المسرحية التي حققت نجاحاً أسطورياً.

أما في السينما، فقد كان “جوكر” الأفلام، حيث تلونت أدواره بين الكوميديا الصرفة والتراجيديا الهادفة. شارك في روائع مثل:

سواق الأتوبيس والتخشيبة والحقونا.

أفلام تجارية ناجحة مثل سيد العاطفي ورمضان فوق البركان وعايز حقي.

واختتم مسيرته التلفزيونية بمسلسل “زيزو 900” عام 2012، قبل أن تهاجمه الأزمات الصحية التي أبعدته عن الساحة.

النهاية التراجيدية.. فقر وغبن ورحيل صامت

رغم هذا التاريخ الطويل، عاش وحيد سيف أياماً قاسية في نهاية حياته. فقد أنفق كل ما يملك على علاجه الخاص بعد أن شعر بتجاهل الوسط الفني له. رحل في عام 2013 إثر أزمة قلبية عن عمر يناهز 74 عاماً. والمؤلم في القصة أن جنازته في الإسكندرية كانت “باهتة” وغابت عنها الأضواء وكبار النجوم، حيث لم يحضرها سوى نحو عشرين شخصاً فقط من أسرته، في مشهد لا يليق بقيمة فنان أفنى حياته في خدمة الفن.

في ختام رحلة وحيد سيف، نجد أنفسنا أمام تساؤل أخلاقي كبير حول كيفية تكريم رموزنا الفنية وهم على قيد الحياة. إن وحيد سيف لم يكن مجرد “كومبارس” أو ممثل ثانوي، بل كان “بهارات” العمل الفني التي تعطي له طعماً ولوناً. قدرته على تحويل أي جملة عادية إلى “إفيه” خالد تجعله مدرسة قائمة بذاتها في فن الكوميديا التلقائية.

إن شعوره بـ “الغبن” في أيامه الأخيرة هو جرس إنذار للمنظومة الفنية بأكملها؛ فالفنان الذي وهب سعادته للناس لا يستحق أن ينتهي به الأمر وحيداً يواجه تكاليف العلاج من جيبه الخاص. لقد رحل وحيد سيف جسداً، لكن صدى ضحكاته لا يزال يتردد في كل منزل عربي. إن الوفاء الحقيقي له اليوم هو استعادة أعماله وتقدير قيمتها، وتعلم الدرس من نهايته المؤلمة بضرورة رعاية المبدعين وتوفير حياة كريمة لهم تليق بعطائهم. سيبقى وحيد سيف “صانع البهجة” الذي لم ينصفه البشر، لكن أنصفه حب الجمهور الذي لا يموت بمرور السنين. رحم الله من أضحكنا طويلاً ورحل في صمت حزين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى