في ظل ما تشهده الساحة الإلكترونية من انفلات غير مسبوق، تصاعدت في الآونة الأخيرة أصوات تحذّر من خطر “عصابات التيك توك”، تلك الفئة التي تسللت إلى عقول الشباب عبر بوابة الترفيه المسموم، لتبث رسائل تحريضية تهدم منظومة القيم، وتعبث بوعي المراهقين والأطفال.
تحقيقنا يكشف كيف تحوّل “الفضاء الإلكتروني” إلى ساحة مفتوحة للانحلال والسخرية من القانون، وكيف باتت بعض الحسابات الشخصية أشبه بـ”منابر إجرامية” تديرها وجوه خرجت حديثًا من السجون لتصنع من الانحراف شهرةً، ومن الجريمة مجدًا زائفًا.
خطر يتسلل عبر الشاشات.. وسلوكيات ملوثة تهدد التربية الوطنية
بالمتابعة والرصد الميداني لعشرات الحسابات على منصات تيك توك، فيسبوك، ويوتيوب، يتضح أن مجموعة من الأشخاص ممن سبق صدور أحكام ضدهم في قضايا أخلاقية وسلوكية، عادوا لتقديم أنفسهم عبر “البث المباشر” بصورة مشوّهة:
ألفاظ خارجة، إيحاءات خادشة، استعراض لتجارب السجن باعتبارها بطولات، وجمهور من المراهقين يتابع ويصفّق ويقلّد دون وعي أو رادع.
أخطر ما رُصد أن بعض الأطفال في المراحل الإعدادية بدأوا في تقليد هؤلاء، سواء في طريقة الكلام، أو الملابس، أو الأسلوب العدواني في التعامل، ما يعكس تحولًا اجتماعيًا خطيرًا في المفاهيم التربوية، ويؤكد أننا أمام قنبلة أخلاقية موقوتة تهدد الأمن الاجتماعي.
منصات فقدت بوصلتها.. وقوانين واضحة تجرّم هذا الانحراف
القانون المصري لم يغفل هذا النوع من الجرائم.
فالمادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تنص بوضوح على معاقبة كل من “يتعمد نشر أو ترويج محتوى يخدش الحياء العام أو يسيء للآداب”.
كما تجرّم المادة (27) من القانون ذاته استخدام مواقع التواصل في “ارتكاب أو تسهيل جريمة تمس القيم الأسرية أو النظام العام”.
أما المادة (178) من قانون العقوبات المصري فتُعاقب بالسجن والغرامة كل من “نشر عمدًا مواد فاضحة أو منافية للآداب العامة”.
وبالتالي، فإن ما يُبث يوميًا على هذه المنصات من محتوى فاحش وتحريض على الفسق يُعد جريمة مكتملة الأركان، تستوجب تحركًا حاسمًا من الأجهزة الأمنية المعنية.
الأمن الرقمي في مواجهة الانفلات.. ومطالبات بالردع والحجب الفوري
مصادر أمنية مطلعة أكدت أن الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية (مباحث الإنترنت) تتابع باهتمام البلاغات الواردة بشأن المحتوى المنحرف على “التيك توك”، خاصة تلك التي تتضمن إساءة للآداب العامة أو تحريضًا على الانحراف.
التحقيقات الأولية تشير إلى أن بعض هذه الحسابات تُدار من شبكات منظمة تعمل على استغلال الأطفال والمراهقين في بث مباشر يومي مقابل أرباح مالية، في تجاوز صارخ للقانون، واستغلال بشع للحرية الرقمية.
هناك تحركات أمنية لرصد وتتبع الأجهزة المستخدمة في إدارة تلك الحسابات، مع التنسيق مع النيابة العامة لإصدار قرارات حجب عاجلة وإغلاقها، وحصر التحويلات البنكية المجهولة المرتبطة بها.
الأسرة خط الدفاع الأول.. وحرب الوعي لا تقل عن الإرهاب
أن المعركة اليوم ليست فقط ضد المحتوى المنحرف، بل ضد ثقافة جديدة من “الشهرة بأي ثمن”، تُزرع في عقول الأجيال، وتُنتج نماذج مشوهة تعتبر الانحراف بطولة.
ولأن الحرب على الوعي لا تقل خطورة عن الإرهاب، فإن المطلوب الآن تحرك وطني شامل بقيادة الأجهزة الأمنية والجهات الرقابية والإعلامية، لتطهير المنصات الرقمية من هذه السموم الفكرية، واستعادة السيطرة على فضاء بات مفتوحًا بلا ضوابط ولا أخلاق.
مطلوب تدخل فوري من الأجهزة الأمنية
التحقيق يوجّه نداءً عاجلًا إلى وزارة الداخلية، ووزارة الاتصالات، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لاتخاذ الإجراءات التالية بشكل فوري:
1. رصد وتتبع الحسابات المروّجة للفجور والإسفاف، وتحديد القائمين عليها.
2. تفعيل نصوص القانون رقم 175 لسنة 2018 ضد مرتكبي جرائم المحتوى غير الأخلاقي.
3. إغلاق الحسابات المسيئة وحجبها فورًا بالتنسيق مع إدارات المنصات العالمية.
4. إطلاق حملة توعية وطنية للأسر والمدارس لمواجهة خطر التقليد والتطبيع مع الانحراف الإلكتروني.
5. تشديد الرقابة الرقمية وإنشاء وحدة متابعة فورية داخل مباحث الإنترنت لمراقبة الاتجاهات الخطيرة على السوشيال ميديا
كلمة أخيرة.. مصر لن تسمح بتشويه وعي أبنائها
ما يجري على “التيك توك” اليوم ليس مجرد عبث أو محتوى ترفيهي، بل هجوم أخلاقي ممنهج على الهوية المصرية، يستوجب وقفة حازمة من أجهزة الدولة كافة.
فلتتحرك الأجهزة الأمنية سريعًا قبل أن يتحوّل “الترند” إلى “وباء”، ولتكن رسالة واضحة:
لا تهاون مع من يعبث بأخلاق المصريين






