لم يكن صباح قرية بنهو بمركز طهطا بمحافظة سوهاج ككل صباح، فالهدوء الريفي الذي اعتاد عليه الأهالي انكسر فجأة بصوت صراخ مدوٍّ اخترق سكون القرية الصغيرة. صراخ امرأة تستغيث، تتوسل للنجاة، قبل أن يخنقها العنف وتغرق في صمتٍ مروع.
داخل غرفة بسيطة تتوسط بيتًا متواضعًا من الطوب اللبن، دارت أبشع فصول مأساة أسرية، بطلتها ربة منزل في مقتبل العمر تدعى «م. ع. أ»، لم تتجاوز الخامسة والعشرين، وحامل في شهرها التاسع، تنتظر مولودها الأول الذي لم يُكتب له أن يرى النور.
زوجها، شاب في الثلاثين من عمره، كان يجلس في صمت أمام هاتفها المحمول، تملؤه الشكوك، تشتعل الغيرة في صدره كالنار، وكلما حاولت الزوجة تهدئته، ازدادت نيرانه اشتعالًا.
بداية النهاية بسبب «الموبايل»
مشادة كلامية تحولت في لحظات إلى عاصفة غضب، صراخ متبادل، وعبارات قاسية، ثم انفجار غير محسوب. أمسك الزوج ماسورة حديدية كانت بجانبه، وأهوى بها على رأس زوجته دون تفكير.
الضربة الأولى كانت كفيلة بإسكاتها، لكنها لم تتوقف، فانهال عليها ضربًا مبرحًا، حتى تعالت صرخاتها التي دوّت في أنحاء القرية.
كانت تحاول حماية بطنها المنتفخ بكل ما تملك من قوة، تضع يديها المرتجفتين على جنينها، لكن القسوة كانت أسرع من الرحمة.
ضربة.. فصرخة.. فدماء سالت على الوسادة البيضاء التي تحولت إلى قطعة حمراء دامية. الهاتف —الذي كان سبب الكارثة— سقط أرضًا محطمًا بجوار جثة صاحبته، وكأنه شاهد على الجريمة.
بعد أن خمدت أنفاس زوجته، جلس الزوج بجوارها مذهولًا، ينظر إلى يديه الملطختين بالدماء، يتمتم بكلمات غير مفهومة، ثم بدأ في البكاء الهستيري: “ماقصدتش أموتها.. كانت بترد عليا.. كل اللي كنت عايزه تبطل تمسك الموبايل!”
لكن الندم جاء متأخرًا، فحياة كاملة كانت قد انتهت في لحظة طيش وغضب أعمى.
دقائق قليلة كانت كفيلة بوصول بلاغ عاجل إلى مركز شرطة طهطا، وعلى الفور انتقلت قوات المباحث بقيادة ضباط إدارة البحث الجنائي بسوهاج، وتم فرض كردون أمني حول المنزل، وجرت معاينة مسرح الجريمة بدقة.
الجثة كانت مسجّاة على الفراش، والدماء تملأ المكان، والزوج في حالة انهيار تام.
في التحقيقات التي قادها فريق من النيابة العامة، اعترف الزوج تفصيليًا بجريمته، مؤكدًا أن الشك والغيرة أعمياه عن التفكير، وأنه فقد السيطرة على نفسه.
أمرت النيابة بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات، وندب الطبيب الشرعي لتشريح الجثة لبيان سبب الوفاة، كما تم إخطار النيابة الكلية بسوهاج لمتابعة التحقيقات تمهيدًا لإحالته إلى محكمة الجنايات.
دموع القرية وصدمة الأهالي
انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وسادت حالة من الحزن العميق في قرية «بنهو».
الكل كان يتحدث عن تلك الفتاة الطيبة التي كانت تحلم بالأمومة، وعن جنينٍ قُتل قبل أن يُولد بسبب خلاف تافه على هاتف صغير.
الأهالي قالوا في حسرة: “كانت ست محترمة، ماحدش سمع صوتها، ليه الغضب يوصّل كده؟!”
مأساة عنوانها الغيرة
تحولت قصة «جريمة المحمول» إلى عبرة موجعة، تذكّر الجميع بخطورة الغضب الأعمى، والغيرة المريضة التي تحوّل الحب إلى موت، والبيت إلى ساحة دم.
هاتف صغير كان بداية النهاية، ومكالمة ربما لم يكن لها أي معنى، لكنها كانت الشرارة التي أحرقت حياة زوجين وجنينهما.
الغيرة إن تجاوزت حدودها تتحول إلى جحيمٍ أسود، والغضب إن لم يُكبح يقتل بلا وعي.
لا تجعلوا «الهواتف» تهدم البيوت، ولا تسمحوا للشك أن يطفئ دفء الحياة الزوجية.
قصة «جريمة المحمول» في سوهاج ستظل جرس إنذار يدوي في آذان الجميع: لحظة غضب واحدة.. قد تمحو عمرًا بأكمله.







