في مشهد يبعث على الصدمة والرعب، تتوالى جرائم العنف بين المراهقين في مختلف المحافظات المصرية، وكأن المجتمع يقف عاجزًا أمام ظاهرة تتغذى على الغضب، وتتمدد في عقول الصغار بلا وعي أو رادع. لم تعد الحوادث التي تبدأ بمشاجرة وتنتهي بجريمة قتل أمرًا نادرًا، بل أصبحت واقعًا مريرًا يتكرر داخل المدارس، الجامعات، وحتى الشوارع المحيطة بها، في صورة مقلقة تنذر بانهيار منظومة القيم والأخلاق لدى جيل بأكمله.
بات من المعتاد أن نستيقظ على خبر مراهق قتل زميله بسبب خلاف تافه، أو اعتدى عليه بسلاح أبيض داخل المدرسة، أو تجمع طلاب ليتحولوا إلى عصابات صغيرة تتعامل بمنطق “القوة هي القانون”.
هنا، لا يمكن أن نمر مرور الكرام على ما يحدث، فهذه ليست مجرد وقائع فردية، بل جرس إنذار صاخب يقرع بعنف داخل جدران المجتمع والأسرة والمؤسسات التعليمية، معلنًا أن هناك خللًا حقيقيًا في منظومة التربية والتوجيه والرقابة.
أين اختفى دور الأسرة؟ وكيف غابت المدرسة عن أداء رسالتها في تهذيب السلوك قبل التعليم؟ وكيف سمحنا لمنصات التواصل الاجتماعي والألعاب العنيفة أن تتحول إلى “معامل رقمية” لصناعة العنف؟
إننا أمام جيل يُربَّى على صور الدماء والمشاهد الوحشية، يتغذى على المحتوى العدواني، ويتأثر بمؤثرين يروجون لثقافة “الشهرة عبر التحدي والعنف”، حتى صار تقليد الجريمة بطولة، وتوثيق الاعتداء بالفيديو إنجازًا.
الأمر لم يعد يخص الجهات الأمنية فقط، بل أصبح مسؤولية مجتمع بأكمله — من الأسرة، إلى المدرسة، إلى الإعلام، إلى رجال الدين — فالجريمة التي تبدأ بكلمة أو نظرة يمكن أن تنتهي بطعنة قاتلة، والسكين التي يحملها مراهق اليوم قد تكون سلاح دمار اجتماعي غدًا.
الخبراء يحذرون من أن غياب الوعي الأسري، وضعف الرقابة التعليمية، وتراجع القيم الأخلاقية والدينية، وازدياد المحتوى العنيف عبر الإنترنت، كلها عوامل تصنع “قنبلة موقوتة” في عقول المراهقين. وما لم تتحرك الدولة والمجتمع المدني بخطط جادة للوقاية، فإننا على موعد مع جيل مأزوم نفسيًا، فاقد للرحمة، لا يعرف معنى الإنسانية.
إن تكرار جرائم العنف بين المراهقين لم يعد حادثًا عابرًا، بل مؤشر خطر يهدد مستقبل الأمة.
فإلى متى نظل نتعامل مع تلك الكوارث باعتبارها “حالات فردية”؟
وإلى متى يظل الدم المسفوك داخل ساحات العلم مجرد خبر على صفحات الحوادث؟
إنها صرخة يجب أن تُسمع قبل أن نجد أنفسنا أمام مجتمع بلا ضمير، وشباب بلا عقل، ومدارس تحولت من منابر للعلم إلى ساحات للدماء.







