في الوقت الذي تحارب فيه الدولة المصرية بشراسة تجارة المخدرات وتجار السموم، تطل علينا ظاهرة جديدة لا تقل خطرًا ولا فتكًا، وهي حفلات التكنو والمخدرات الرقمية، التي لم تعد تُقام في الخفاء كما كان يحدث في السابق، بل أصبحت تُنظَّم علنًا داخل النوادي الليلية (السكوهات)، وتُروّج لها عبر إعلانات مفتوحة على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها مهرجانات فنية أو فعاليات ترفيهية مشروعة!
الخطير في الأمر أن هذه الحفلات تُقام أمام الجميع، وتلقى رواجًا واسعًا بين فئة الشباب، حيث تُنشر الدعوات على صفحات الإنستجرام والفيسبوك مصحوبة بعبارات مثيرة مثل “ليلة من الجنون والإيقاع” و “عيش التجربة.. حرر عقلك”، وهي في حقيقتها دعوات إلى اللاوعي والانفصال عن الواقع، من خلال ما يُعرف بـ«مخدر الموسيقى الرقمية» أو البلات — وهو مزيج من الترددات الصوتية الحادة التي تؤثر على الجهاز العصبي وتحدث تأثيرًا شبيهًا بتعاطي المخدرات الكيميائية.
من السر إلى العلن.. حفلات تتحدى القانون والقيم
قبل سنوات، كانت هذه الحفلات تُقام في أماكن مغلقة بعيدًا عن أعين الرقابة، يحضرها عدد محدود من الشباب، وغالبًا ما كانت تُداهمها الأجهزة الأمنية نظرًا لما يحدث بداخلها من تعاطي لمواد مجهولة وتجاوزات أخلاقية.
أما اليوم، فقد تغير المشهد تمامًا — فحفلات التكنو أصبحت تُقام في أشهر السكوهات والنوادي الليلية بالقاهرة والجيزة والساحل الشمالي، وسط إعلانات ممولة على مواقع التواصل، وتصوير فيديوهات تُنشر علنًا دون خوف أو خجل، في تحدٍّ واضح لكل القوانين والقيم المجتمعية.
بل إن بعض المنظمين يتباهون بعدد الحضور، ويعتبرون ذلك نجاحًا فنيًا، بينما الحقيقة أن ما يجري هو ترويج علني لمخدر جديد اسمه “الموسيقى”، يُحدث نفس تأثير الكوكايين أو الإكستاسي، لكنه غير مرئي، وغير قابل للضبط بسهولة.
القانون المصري واضح.. وهذه الحفلات مخالفة
بحسب قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، فإن كل ما يؤثر على الحالة العصبية أو النفسية للفرد بشكل مصطنع يعد مادة مخدرة محظورة. ووفقًا لتقارير طبية، فإن «الموسيقى الرقمية» تُحدث خللاً في النشاط الدماغي، وتؤدي إلى حالة من الهلوسة والانفصال عن الواقع، مما يضعها تحت بند التأثيرات العصبية الممنوعة قانونًا.
كما يُلزم قانون رقم 8 لسنة 2003 بشأن تنظيم الأنشطة العامة والموسيقية أي جهة تنظم حفلات عامة بالحصول على تراخيص رسمية من الجهات الأمنية والثقافية، مع الالتزام بالآداب العامة، وإلا تُعتبر الفعالية غير قانونية، ويُعاقب القائمون عليها بالغرامة أو الحبس وإلغاء الترخيص.
تحذيرات أمنية ومتابعة حازمة
مصادر بوزارة الداخلية أكدت أن الأجهزة الأمنية تتابع بدقة ما يُنشر عن تلك الحفلات، خصوصًا بعد تداول مقاطع تُظهر حالات إغماء وهياج جماعي داخل بعض السكوهات، مشيرة إلى أن الوزارة لن تتهاون مع أي نشاط يُخلّ بالآداب أو يهدد سلامة الشباب.
وشددت المصادر على أن حملات التفتيش والمداهمات مستمرة في مناطق الزمالك، المعادي، والساحل الشمالي، لضبط كل من ينظم أو يشارك في هذه الحفلات المشبوهة التي تُستخدم فيها مؤثرات سمعية تدميرية تحت ستار الفن.
كارثة اجتماعية باسم “الترفيه”
علماء الاجتماع يحذرون من أن هذه الظاهرة تمثل انهيارًا قيميًا وتهديدًا مباشرًا للوعي الجمعي، حيث أصبحت فئة من الشباب ترى في “التكنو” وسيلة للهروب من الواقع والضغوط، دون إدراك أنهم يسلكون طريقًا يؤدي إلى إدمان ذبذبات وهمية تدمّر التركيز وتُحدث اضطرابات عقلية حقيقية.
إن ما يحدث اليوم داخل بعض السكوهات ليس فنًا ولا حرية، بل تسلل مقنّع للمخدرات في ثوب موسيقي، يُستهدف به جيل الشباب تحت شعار الحداثة والانفتاح.
على الجهات المعنية أن تتحرك بسرعة لإغلاق هذه البؤر ومحاسبة القائمين عليها، فالمخدر لا يكون فقط في صورة حبوب أو مسحوق، بل قد يأتي عبر ذبذبة.. ونغمة.. وإيقاع قاتل.
فلتكن رسالة واضحة:
مصر لا تسمح بتحويل فن الموسيقى إلى وسيلة لقتل الوعي وتشويه الأجيال.






