في خطوة تعزز من مبادئ العدالة الدستورية وتصون حرمة الحياة الخاصة، جاء قانون الإجراءات الجنائية الجديد — بعد تصديق الرئيس عليه — ليُعيد ترسيخ واحدة من أهم القواعد الدستورية التي تُمثل ركيزة من ركائز دولة القانون: حرمة المساكن وعدم جواز تفتيشها إلا وفقًا لضوابط صارمة ومحددة بوضوح.
القانون الجديد لم يكتفِ بتكرار النصوص الدستورية، بل صاغ آليات تضمن التطبيق الواقعي لهذه المبادئ، مؤكدًا أن تفتيش المنازل لا يجوز إلا بأمر قضائي مسبب يصدر من جهة التحقيق المختصة، وأن هذا الأمر يجب أن يُبلغ إلى من بالمنزل فورًا، مع اطلاعه على مضمون الإذن قبل البدء في إجراءات التفتيش.
ويؤكد التشريع على أن للمنازل حرمة لا تُنتهك تحت أي ذريعة، وأن المساس بها دون مبرر قانوني أو قضائي يُعد انتهاكًا جسيمًا للحقوق والحريات المكفولة بالدستور. كما شدّد القانون على ضرورة أن يكون التفتيش في حدود الأمر القضائي فقط، دون تجاوز، مع إثبات كافة الإجراءات في محضر رسمي بحضور شهود إن أمكن، لضمان الشفافية والمصداقية.
وفي المقابل، منح المشرّع استثناءً محدودًا في حالات الخطر الداهم التي تهدد الأمن أو الأرواح، مثل وجود جريمة متلبس بها داخل المنزل أو خطر داهم لا يحتمل التأخير، على أن تُخطر النيابة العامة فورًا بما تم اتخاذه من إجراءات لتقييم مدى مشروعيتها.
ويُعد هذا التطوير أحد أبرز ملامح القانون الجديد، الذي يسعى إلى تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الفردية وضمان الأمن العام، بحيث لا يكون التفتيش أداة تعسفية، بل وسيلة قانونية محكومة بضوابط واضحة ومساءلة قضائية.
الخبراء القانونيون وصفوا القانون بأنه نقلة نوعية في المنظومة العدلية المصرية، إذ يجمع بين الحسم في مكافحة الجريمة وبين احترام الحريات الشخصية، مؤكدين أن المشرّع حرص على غلق أي ثغرات قد تُستغل للإضرار بحقوق المواطنين أو انتهاك حرمة مساكنهم.
ويأتي هذا التشريع الجديد في إطار رؤية شاملة للدولة المصرية لبناء منظومة عدالة متطورة تحترم الإنسان وتؤمن بسيادة القانون، تحت مظلة توجيهات القيادة السياسية التي تضع الحقوق الدستورية للمواطنين في صدارة أولوياتها.
بهذا الإطار، يُمكن القول إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد لم يكن مجرد تعديل تشريعي، بل إعادة صياغة لعلاقة الدولة بالمواطن وفقًا لمبدأ “الحرية في ظل القانون”.. فالمنازل لها حرمة، والتفتيش ليس استثناءً إلا بقدر الضرورة، والدستور هو السقف الذي لا يُسمح بتجاوزه.







