
مع حلول أعياد “شم النسيم” وزيادة الإقبال على تناول الأسماك المملحة، أعد خبراء الطب البيطري روشتة إرشادية لرفع الوعي الصحي لدى المواطنين وتجنيبهم مخاطر التسمم الغذائي.
وفي هذا السياق، استعرض الدكتور أحمد حمدي، مدير عام مديرية الطب البيطري بمحافظة سوهاج، بالاشتراك مع الدكتورة سالي محمود الفقي، طبيبة بيطرية، مجموعة من المعايير الفنية الدقيقة التي تبدأ من لحظة الشراء من قلب السوق وصولا إلى طرق التحضير والطهي والمحاذير الطبية الواجب اتباعها لضمان قضاء عطلة آمنة.
بدأ الدكتور أحمد حمدي بتوضيح الفوارق الأساسية التي قد تغيب عن قطاع كبير من المستهلكين بين نوعين من أشهر الأسماك المملحة؛ حيث أشار إلى أن “الفسيخ” يصنع بالأساس من سمك البوري وهو نوع من الأسماك البحرية، بينما تصنع “الملوحة” (المعروفة بأسماك البقار) من أسماك نيلية، وكشف حمدي أن “الملوحة” غالبا ما تكون أقل خطورة من “الفسيخ” فيما يتعلق بالتلوث البكتيري؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن التمليح العالي يعد أهم عامل حفظ طبيعي لهذه الأسماك، وطريقة تصنيع الملوحة تعتمد على نسب ملح مرتفعة جدا، على عكس الفسيخ الذي قد يقلل بعض المصنعين فيه نسبة التمليح، مما يجعله بيئة خصبة لنمو البكتيريا، خاصة مع غياب التبريد المستمر في معظم المحلات رغم كونه شرطا أساسيا لحفظ الفسيخ.
وحول “خفايا” الشراء، أوضح مدير بيطري سوهاج أن التاجر يخير المشتري عادة بين الحجم الكبير والصغير في الملوحة؛ فالحجم الكبير يعرف ب “الذكر” ويتميز بوجود أسنان واضحة جدا في فم السمكة ويوفر كمية لحم وفيرة، أما الحجم المتوسط أو الصغير فيمثل “الأنثى” وتتميز ببطن عريضة وخلوها تماما من الأسنان، ومن الناحية الاستهلاكية، يفضل البعض “الذكر” لوفرة لحمه، بينما يميل هواة الملوحة ل “الأنثى” نظرا لأن نسيج لحمها يكون أكثر طراوة ونعومة.
انتقلت الدكتورة سالي محمود الفقي إلى فحص جودة الأسماك، مؤكدة أن الفحص يبدأ بالعين المجردة قبل الشراء، فبالنسبة لسمك “الرنجة”، تظهر علامات الفساد في جفاف الجلد وفقدان لمعانه وتجعده، مع تحوله للون البني وتغطيته بطبقة دهنية لزجة، بينما تتحول العضلات للون الأصفر البني وتصدر رائحة منفرة، أما في “الفسيخ والأسماك المملحة”، فإن تغير اللون للبني وعكارة عدسة العين الشديدة هما أولى علامات التحلل، بالإضافة إلى ملمس الجلد الذي يصبح “زنخا” ومتجعدا.
وشددت الدكتورة سالي على طريقة “الفحص الطولي”، حيث ينصح بقطع السمكة جزأين، فإذا وجد لون اللحم بنيا محمرا أو أحمر مزرقا مع رائحة نفاذة وقوام طري لزج يسهل تفككه، فهذا دليل قاطع على عدم الصلاحية، كما أشارت إلى “اختبار المياه” كطريقة منزلية بسيطة؛ حيث إن السمكة الصالحة تستقر في قاع الماء، بينما تطفو السمكة الفاسدة على السطح نتيجة تجمع الغازات داخلها.
وأضافت أن عين السمكة الصالحة يجب أن تكون لامعة، والقرنية شفافة، والخياشيم حمراء زاهية خالية من المخاط أو الروائح الكريهة، ومن ناحية الملمس، يجب أن يكون قوام السمكة متماسكا، بحيث يسبب الضغط بالإصبع هبوطا مؤقتا يزول فور رفع اليد، فإذا ظل الأثر موجودا كانت السمكة فاسدة.
وفي سياق متصل، تطرق الدكتور أحمد حمدي إلى استهلاك “التونة”، محذرا من الإفراط فيها رغم فوائدها، وأوضح أن التونة غنية بـ “الأوميجا 3” الذي يخفض ضغط الدم ويقي من انسداد الشرايين ويحافظ على صحة الجلد والمخ، كما أن العلبة الواحدة توفر نحو 50% من احتياجات الجسم اليومية من البروتين، ومع ذلك، حذر حمدي من تقديم التونة للأطفال دون سن السادسة والنساء الحوامل والمرضعات، معللا ذلك باحتوائها على نسبة عالية من “الزئبق” السام، والذي قد يؤدي لتدمير الجهاز العصبي وتلف دماغ الأجنة والأطفال.
وحدد مدير بيطري سوهاج “الحد الآمن” للاستهلاك الآدمي بـ”علبتين أسبوعيا” فقط للبالغين، محذرا من أن الزيادة عن هذا المعدل تسبب تراكم الزئبق والصوديوم في الجسم، ونصح باختيار التونة المحفوظة في الماء لتقليل نسبة الصوديوم التي تسبب ارتفاع ضغط الدم، مشددا على أن التوازن هو المفتاح للحصول على فوائدها وتجنب مخاطرها.
ولتقليل الآثار الجانبية للأملاح المرتفعة في وجبة شم النسيم، بدأت الدكتورة سالي الفقي بالنصيحة بغسل الفسيخ والسردين بالخل المخفف وعصير الليمون لتقليل الملوحة، مع التخلص التام من الرأس والأحشاء، وأكدت على ضرورة مرافقة الوجبة بكميات ضخمة من الخضروات الورقية مثل (البصل الأخضر، الخس، الجرجير، الكرفس، والبقدونس)؛ لأنها تعمل كمدرات طبيعية للبول وتساعد في طرد الماء المحتبس وتجنب حموضة المعدة.
كما أشار الدكتور أحمد حمدي إلى أهمية “البوتاسيوم” الموجود في الفواكه مثل (الموز، البرتقال، الكنتالوب، والبنجر)، حيث يلعب البوتاسيوم دورا حيويا في موازنة الصوديوم وإخراجه من الجسم. ونصح الخبراء بتناول الخبز الأسمر الغني بالردة لزيادة الشعور بالشبع، والتركيز على شرب الماء المضاف إليه الليمون قبل وبعد الوجبة، واللجوء للمشروبات العشبية كالشاي الأخضر بالنعناع، الكركديه، القرفة، والينسون لقدرتها على تطهير المعدة ومقاومة التلوث.
وحذرا من تناول “المياه الغازية” مع هذه الوجبات؛ حيث أوضح الدكتور أحمد حمدي أنها تحتوي على بيكربونات الصوديوم التي تعمل على “حبس” الأملاح والماء داخل الجسم، مما يزيد من العبء على القلب والكلى.
كما حذرت الدكتورة سالي الفقي من تجاوز كمية 150 جراما من الفسيخ للفرد الواحد، وحددت للفئات الممنوعة تماما من تناول هذه الأسماك، وهم: الحوامل، المرضعات، مرضى القلب، الكبد، الكلى، وأصحاب قرحة المعدة، وذلك لتجنب أي مضاعفات صحية خطيرة قد تنتج عن المحتوى الملحي الهائل أو احتمالات التعرض للبكتيريا اللاهوائية.







