عاجلمقالات

وفاء السيد تكتب: “أبو الهول الثاني”.. هل تُستغل الأهرامات لتمرير روايات مشبوهة؟

في كل فترة، تعود هضبة الجيزة إلى صدارة الجدل العالمي، ليس فقط باعتبارها مهدًا لأعظم إنجازات العمارة في التاريخ، بل أيضًا كساحة تتصارع فيها الحقائق العلمية مع الادعاءات المثيرة.

 

وبين الحديث عن «أبو الهول الثاني» وكنوز مخفية أسفل الهرم الأكبر، تتصاعد تساؤلات حول أهداف هذه الروايات، خاصة مع رفض علماء الآثار لها بشكل قاطع، مؤكدين أنها تفتقر إلى أي دليل علمي، وتُستخدم أحيانًا كغطاء لمحاولات تنقيب غير مشروعة أو لترويج أفكار ذات أبعاد سياسية ودينية.

 

تمثال ثان لأبو الهول

 

أثار ما تم تداوله مؤخرًا في بعض وسائل الإعلام الغربية، ومنها تقرير نشرته صحيفة Daily Mail، جدلًا واسعًا حول وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول مدفون أسفل هضبة الجيزة، استنادًا إلى فرضيات قدمها الباحث الإيطالي Filippo Biondi، الذي تحدث عن «تناظر هندسي» بين الأهرامات وأبو الهول قد يشير بحسب زعمه إلى وجود هيكل ضخم آخر تحت الأرض.

 

ولم تكن هذه الادعاءات الأولى من نوعها، إذ سبق أن طرح عالم أنثروبولوجيا بريطاني يُدعى وارنر فرضية أكثر إثارة للجدل، زعم فيها وجود «تابوت العهد» وجسد السيد المسيح داخل كهف سري أسفل الهرم الأكبر، فيما أطلق عليه «مغارة الآباء».

 

كما ذهب إلى أبعد من ذلك، حين حاول الربط بين الأهرامات والديانات الإبراهيمية، مدعيًا أن مواقع دينية كبرى مثل جبل سيناء وجبل الزيتون ليست سوى تسميات مختلفة لمكان واحد هو الهرم الأكبر.

 

ادعاءات للقيام بأعمال تنقيب جديدة

 

في مواجهة هذه الطروحات، أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن هذه المزاعم تندرج ضمن «الخزعبلات» التي لا تستند إلى أي منهج علمي أو نتائج حفائر رسمية معتمدة من وزارة السياحة والآثار.

 

وأوضح أن جميع الدراسات الأثرية الموثقة التي أُجريت في المنطقة لم تثبت وجود أي هياكل خفية أو تماثيل مدفونة أسفل الهرم الأكبر.

 

وأشار ريحان إلى أن هذه الادعاءات تدور في إطار محاولة خلق مبرر للقيام بأعمال تنقيب جديدة تحت الأهرامات، تحت غطاء البحث العلمي، بينما الهدف الحقيقي بحسب رأيه هو البحث عن ما يُسمى بـ«هيكل سليمان» أو «تابوت العهد»، خاصة بعد فشل محاولات العثور عليهما في مناطق أخرى مثل القدس منذ عام 1967.

 

أقاويل بلا أساس علمي

 

كما تناول ريحان مفهوم «تابوت العهد»، موضحًا أنه صندوق مقدس ذُكر في التراث الديني، وكان يحتوي وفق الروايات على ألواح الشريعة التي تلقاها نبي الله موسى عليه السلام في منطقة سانت كاترين، وليس له أي ارتباط جغرافي أو تاريخي بالأهرامات. وأضاف أن بني إسرائيل كانوا يحملون هذا التابوت معهم خلال تنقلاتهم، ما ينفي تمامًا فكرة وجوده مدفونًا أسفل الهرم الأكبر.

 

من جانبه، شدد عالم المصريات الشهير الدكتور زاهي حواس على أن جميع أعمال الحفر والدراسات التي أُجريت في المواقع التي يُزعم وجود «أبو الهول الثاني» بها، لم تسفر عن أي دليل يؤكد هذه الفرضيات، مؤكدًا أن ما يُثار في هذا السياق لا يعدو كونه ادعاءات بلا أساس علمي.

 

تهديد للتراث

 

ويختتم الخبراء موقفهم بالتأكيد على أن مثل هذه الروايات لا تخدم البحث الأثري الحقيقي، بل قد تُستخدم كأدوات دعائية تحمل أبعادًا سياسية أو دينية، في محاولة لإعادة تفسير تاريخ الحضارة المصرية وربطه بسرديات غير موثقة. كما يحذرون من خطورة الترويج لمثل هذه الأفكار، لما قد تمثله من تهديد للتراث المصري، ومحاولة النيل من استقلالية تاريخه وهويته.

 

وهكذا، تبقى هضبة الجيزة شاهدًا على عظمة حضارة أصيلة، تقف في مواجهة موجات من الادعاءات التي لا تصمد أمام العلم، لتؤكد أن التاريخ الحقيقي لا يُكتب بالخيال، بل بالأدلة والدراسات الموثقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى