
تحل اليوم الثلاثاء، الموافق السابع من شهر نيسان/ أبريل لعام 2026، ذكرى رحيل واحدة من أكثر الوجوه السينمائية إثارة للجدل والجمال في تاريخ الفن المصري، وهي الفنانة ناهد شريف التي فارقت عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 1981، ولدت ناهد شريف في مدينة الإسكندرية الساحلية عام 1942، وحملت عند ولادتها اسم “سميحة محمد زكي النيال”، ولم تكن تعلم أن القدر سيقودها لتصبح واحدة من أيقونات الشاشة الكبيرة، حيث بدأت حكايتها مع الفن حينما تعرفت على الفنانة الرقيقة زبيدة ثروت، والتي كانت حلقة الوصل بينها وبين المخرج والمنتج حسين حلمي المهندس، والذي انبهر بجمالها الأسمر الفريد وملامحها التي تجمع بين البراءة والإغراء، فقرر تبني موهبتها وتقديمها للجمهور باسم “ناهد شريف”، لتنطلق من بعدها في رحلة فنية حافلة بالنجاحات والانتقادات في آن واحد، حيث استطاعت في وقت قصير أن تحجز لنفسها مكاناً وسط نجمات الصف الأول بفضل جرأتها وموهبتها التي لم تكن تعرف الحدود.
واشتهرت ناهد شريف بتقديم أدوار وصفت بأنها الأجرأ في تاريخ السينما المصرية، وهو ما جعل اسمها يقترن دائماً بمصطلحات الإغراء والإثارة، إلا أن المتأمل في مسيرتها يجد تنوعاً درامياً حاول الخروج من هذا الإطار الضيق، ومن أبرز أعمالها التي تركت بصمة واضحة فيلم “عندما يسقط الجسد”، وفيلم “الولد الغبي”، بالإضافة إلى الفيلم الكوميدي الشهير “رجب فوق صفيح ساخن” أمام الزعيم عادل إمام، وفيلم “أحلى أيام العمر”، و”سأكتب اسمك على الرمال”، وقد تميزت ناهد بقدرتها العالية على تجسيد الشخصيات المركبة التي تعاني من صراعات داخلية بين الرغبة والواقع، وهو ما جعلها بطلة مفضلة لكبار مخرجي تلك الحقبة، ورغم أن ملامحها كانت بوابتها للعبور، إلا أن أداءها التمثيلي كان يثبت في كل مرة أنها تمتلك قدرات فنية تتجاوز مجرد الجمال الظاهري، مما جعل ذكراها باقية حتى اليوم كجزء لا يتجزأ من عصر السينما الذهبي.
حكايات الحب والزواج
لم تكن حياة ناهد شريف الشخصية أقل صخباً من حياتها الفنية، فقد تزوجت ثلاث مرات في مسارات مختلفة تماماً، كانت المرة الأولى من مكتشفها المخرج حسين حلمي المهندس، والذي كان يكبرها في السن بسنوات كثيرة، ورغم أن هذا الزواج لم يستمر طويلاً، إلا أنه كان حجر الزاوية في مسيرتها الفنية والمهنية، أما الزيجة الثانية فكانت هي الأكثر إثارة للجدل في حياتها، حيث وقعت في غرام “فتى الشاشة” الفنان كمال الشناوي، والذي وافقت على الزواج منه سراً لأنه كان متزوجاً في ذلك الوقت من سيدة أخرى، وعاشت ناهد في ظل هذا الزواج السري لمدة 6 سنوات، تحملت خلالها وضع “الزوجة الثانية” بعيداً عن الأضواء تقديراً لحبها الكبير للشناوي، ولكن مع مرور الوقت تملكها الملل والشعور بعدم الاستقرار، وطلبت الطلاق لتبحث عن حياة تكون فيها هي الطرف الوحيد والمستقر، وهو ما حدث بالفعل لاحقاً حين التقت بزوجها الثالث.
جاء زواجها الثالث والأخير مدنياً من الفنان اللبناني إدوار جرجيان، والذي أنجبت منه ابنتها الوحيدة “لينا”، وكانت هذه الفترة من حياتها تتسم بالهدوء النسبي قبل أن يطرق المرض اللعين بابها، ويؤكد المقربون منها أن ناهد كانت تبحث دائماً عن الاستقرار العائلي الذي افتقدته في بداياتها، ورغم الصعوبات التي واجهتها في زيجاتها السابقة، إلا أنها ظلت محافظة على كبريائها الفني والشخصي، وكانت ابنتها هي محور حياتها ومصدر قوتها في مواجهة تحديات المهنة والمجتمع، إن تعدد الزيجات في حياة ناهد شريف لم يكن لمجرد البحث عن المغامرة، بل كان رحلة طويلة للعثور على شريك يفهم طبيعة روحها القلقة وطموحها الذي لا ينتهي، وهو ما وجدته جزئياً في سنواتها الأخيرة قبل أن تداهمها آلام المرض التي غيرت مسار حياتها بالكامل وأبعدتها عن الأضواء التي طالما أحبتها.
مأساة الرحيل والوصية
في عام 1979، بدأت ناهد شريف رحلة قاسية مع مرض سرطان الثدي، وظلت تصارع هذا الوحش الكاسر لمدة عامين تقريباً، وفي روايات أخرى استمرت معاناتها لخمس سنوات، تنقلت خلالها بين مستشفيات القاهرة ولندن وباريس بحثاً عن علاج، ورغم الألم والمضاعفات الخطيرة، حاولت ناهد أن تظل صامدة من أجل ابنتها التي كانت لا تزال طفلة صغيرة، وفي السابع من أبريل لعام 1981، أسدلت الستار على حياتها ورحلت عن عالمنا وهي في ريعان شبابها، تاركة وراءها وصية مؤثرة جداً، حيث طلبت من شقيقتها الكبرى أن تتولى تربية ابنتها “لينا” التي كانت تبلغ من العمر حينها أربع سنوات فقط، وهو ما يعكس مدى خوفها وحرصها على مستقبل ابنتها في ظل غيابها، وقد شيع جثمانها في جنازة مهيبة حضرها رفاق دربها من الفنانين الذين صدموا برحيلها المبكر وهي لم تتجاوز التاسعة والثلاثين من عمرها.
تعد ناهد شريف ضحية للقدر الذي لم يمهلها طويلاً لتمارس أمومتها أو تحقق المزيد من أحلامها الفنية، ورغم رحيلها الجسدي، إلا أن ذكراها تظل حاضرة في كل عام مع حلول ذكرى وفاتها، كنموذج للفنانة التي عاشت حياة قصيرة لكنها كانت مليئة بالأحداث والنجاحات والآلام، إن قصة “سميحة النيال” تذكرنا دائماً بأن خلف الوجوه الجميلة على الشاشة قصصاً إنسانية عميقة ومؤلمة أحياناً، ناهد شريف التي رحلت بسبب مضاعفات السرطان، تركت إرثاً سينمائياً لا يمكن تجاهله عند الحديث عن تاريخ السينما المصرية في السبعينيات، وستظل دائماً “سمراء السينما” التي جمعت بين الإغراء الراقي والمعاناة الصامتة، ليبقى اسمها محفوراً بحروف من نور في ذاكرة المشاهد العربي الذي أحب فنها وتعاطف مع مأساتها الإنسانية حتى النفس الأخير.







