عاجلمقالات

نانا إمام تكتب: العمى النفسي والذكاء الاصطناعي.. عندما تخدعنا الأجهزة الرقمية

«م.ز» كان يعاني من ضيق وألم شديد فى عينه، وفوجئ عندما حذره مساعد الطب الذكى على جهازه الرقمي مما يسمى بـ”الذبابة الطائرة”. وبدلًا من التواصل مع طبيبه البشري، قام بالبحث بنفسه عن المرض داخل إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى، التى أبلغته أن هذه إحدى علامات انفصال الشبكية، وأنه يواجه خطرًا حقيقيًا على بصره.

 

نتيجة لذلك دخل م.ز في حالة من القلق والفزع المستمرين، حتى أصبح غير قادر على ممارسة حياته اليومية، وبعد تأخر حالته الصحية اصطحبه أحد أفراد أسرته إلى عيادة العيون حيث استقبله دكتور حسام زيادة، وأكد الطبيب أن تداول المعلومات العشوائى بين م.ز وأدوات الذكاء الاصطناعى جعله يعتقد أنه مصاب بانفصال الشبكية، بينما كانت تحاليل قاع العين والقرنية سليمة تمامًا.

 

ومع ذلك وصلت حالة م.ز إلى مرحلة متقدمة من الهلوسة البصرية (hallucination) لم تنجح معها النصائح والإرشادات التقليدية، واضطر الفريق الطبى إلى تحويله إلى طبيب نفسى استشاري، الذى أجرى رحلة علاج نفسية طويلة أعادت له الإبصار مرة أخرى.

 

ومن خلال هذه التجربة يؤكد الطبيب النفسى أن مرض الوهم يمكن أن يعطل الإنسان عن حياته اليومية وعمله، وأن ما أصاب م.ز كان عمى نفسيًا وليس انفصال شبكية.

 

يبدو أن الساعات الذكية والأجهزة الرقمية ـ التى صممت لمراقبة الصحة والتنبؤ بالأمراض ـ لم تصبح مجرد مصادر ضخمة للمعطيات الطبية، بل باتت أيضًا مصدرًا للقلق والوهم والتضارب المعلوماتي الذي يهدد وعي المرضى وصحتهم النفسية.

 

ويشير د. محمد عزام استشارى إدارة التكنولوجيا إلى أن التكنولوجيا الرقمية أصبحت عنصرًا أساسيًا فى تطوير الرعاية الصحية، بدءًا من الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، وصولًا إلى الهواتف المحمولة التى تقيس المؤشرات الحيوية مثل السكر فى الدم والضغط ومعدل ضربات القلب، وهذه الأدوات أصبحت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات لكل من الأطباء والمرضى، حيث يلجأ الكثير من المرضى للتطبيقات الذكية للحصول على تفسيرات أولية لحالتهم قبل مراجعة الطبيب، ما أطلق عليه عزام «المبارزة المعلوماتية» بين المريض والطبيب.

 

ويرى بعض الأطباء أن هذه الظاهرة تثير قلقًا لأن الذكاء الاصطناعى لا يمكن أن يكون بديلًا عن التشخيص البشري، خصوصًا فى مجالات دقيقة مثل أمراض القلب والأورام وطب الأسنان والأمراض النفسية. ومع ذلك يرى عزام أن الأطباء يجب أن يتقبلوا هذه الأدوات باعتبارها مساعدة وليست منافسة، حيث تسهم فى بناء ملف صحى متكامل للمريض يشمل التاريخ الطبى والعائلى ويساعد فى التنبؤ المبكر ببعض الأمراض.

 

ويؤكد أن هذه الأنظمة لم تعد أدوات منفصلة، بل منظومة صحية رقمية متقدمة تدعم عمل الطبيب، شريطة توجيه المريض لاستخدامها بشكل صحيح وعدم الاعتماد الكامل عليها. كما يقترح عزام إنشاء عقد اجتماعى يوضح للمريض كيفية التعامل مع هذه البيانات: متى يقلق، ومتى يناقش النتائج مع طبيبه، مع التأكيد على أن القرار الطبى النهائى يجب أن يصدر عن الطبيب فقط.

 

الدكتورة منى أبو المجد الأستاذة المتفرغة للباثولوجيا الإكلينيكية بكلية الطب فى جامعة الأزهر بأسيوط لا تمانع استخدام المرضى للأجهزة المعتمدة على الذكاء الاصطناعى، بشرط وجود شبكة طبية متكاملة تربط المريض بطبيبه المعالج بشكل مباشر وفوري، بحيث ترسل كل البيانات التى يسجلها الجهاز الذكى تلقائيًا إلى جهاز الطبيب أو المستشفى ليتم حفظها ضمن الملف الطبى للمريض بما يشمله من تاريخ مرضى ومؤشرات حيوية.

 

وتشير إلى أننا لا نملك إلا قشورًا من الاستخدامات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى ظهور ظاهرة «أنا أعالج نفسي»، حيث يلجأ بعض المرضى لتشخيص أنفسهم دون استشارة الطبيب مضيفة أنها شاهدت حالات عديدة لمرضى سرطان يندفعون لشراء علاجات عشبية، وأخرى لكبار السن يدفعون مبالغ طائلة مقابل وصفات تدعى علاج آلام الركبة بسرعة، ما يؤدى إلى الدخول فى دائرة وهمية تقلل من جودة حياتهم وتزيد من القلق النفسي.

 

ويؤكد دكتور حسام زيادة أستاذ طب وجراحة العيون ورئيس وحدة زراعة القرنية وتصحيح الإبصار بكلية طب جامعة الأزهر أن «الطب المساعد بالذكاء الاصطناعي» يعتمد على البيانات المدخلة للتشخيصات المختلفة للصور والتحاليل، ويقارنها مع قاعدة بيانات ضخمة من الصور والمعلومات الطبية المخزنة ليصدر تقريره الطبي.

 

ويشير إلى مشاركته فى بحث عالمى شمل 30 ألف صورة «مسح ضوئي» لقرنية العين، بالتعاون مع طبيب بريطانى لإنشاء منصة عالمية يمكنها تشخيص أمراض القرنية بمجرد قراءة الصورة فقط، ما يعكس قدرة الذكاء الاصطناعى على التعلم من الملايين من البيانات وتحويلها إلى أداة إجابة تشخيصية (diagnostic AI tool).

 

ويشرح زيادة أن علاقة الإنسان بالآلة فى الطب تعتمد على الاستشعار، الأجهزة الذكية تقيس ضغط الدم من خلال معدل سريان الدم وقوة النبض وعدد الضربات، وتقيس الحرارة عبر استشعار أماكن وجودها فى الأوردة أو الجلد. أما التشخيصات الطبية فتتطلب تغذية النظام بالصور والمعلومات الطبية للفرد، لتتحول الأداة إلى مصدر إجابة شبيه بالخبرة الطبية، لكنها تفتقر إلى الاستجابة النفسية لمخاوف المريض (patient’s emotional cues)، ما يجعلها أحيانًا مضللة بل وتشجع المرضى على الاعتقاد بأنهم لا يحتاجون للطبيب، الأمر الذى يؤدى إلى تشخيص متأخر وتأثيرات سلبية على الصحة (delayed diagnosis and adverse outcomes).. ومن هنا يظهر الدور الحيوى للتنظيم والتقنين فى استخدام أدوات الطب المساعد الذكية لضمان أن تبقى أدوات مساعدة وليست بديلًا عن الطبيب، لحماية المرضى من المعلومات المغلوطة وتأثيرها النفسى الضار.

 

ويؤكد أن معالجة هذه الحالات تبدأ بالتوجيه النفسى والإرشاد، وإذا استدعت الحاجة يُحال المريض إلى طبيب نفسى استشاري. ويشدد على ضرورة تنظيم استخدام هذه الأدوات عبر اشتراكات محددة، بحيث تستخدم كتطبيقات خدمية لدعم الرعاية الصحية والمتابعة الطبية، وليس للاستشارة الطبية المباشرة أو التشخيص الفردي، لضمان السلامة الطبية وتقليل الأضرار النفسية (medical safety and psychological impact reduction).

 

ويوضح دكتور أحمد عبد الله، استشارى الطب النفسى بجامعة الزقازيق أن الطب علم وفن فى آن واحد، وأن الطبيب وحده بما يمتلكه من معرفة وخبرة وملاحظة دقيقة للمريض قادر على الوصول إلى الحقيقة الكاملة، بما فى ذلك العوامل الخفية وراء المرض التى قد يغفل عنها وعى المريض نفسه، فـ«العلاج هو المعالج» كما يقول.

 

ويحذر دكتور عبد الله من أن مواجهة المريض لـ«الطبيب الآلة» تجعل المعلومات المقدمة من الجهاز مبنية على الوعى الظاهر للمريض (apparent consciousness) فقط، وهو جزء من الحقيقة وليس كاملها، مما قد يؤدى إلى تشخيصات غير دقيقة أو تعزيز الوهم المرضى (pathological belief reinforcement).

 

ويشير إلى أن مرض الوهم مرض قديم الأزل ومعروف تاريخيًا، والآن أصبح معززًا بالذكاء الاصطناعي، بحيث يقنع المريض بمرض افتراضى بغض النظر عن الحقائق الطبية، ويصبح الشفاء منه مرتبطًا بالعلاج الدوائى أو العلاج السلوكى المعرفى (cognitive behavioral therapy) حسب خطورة الوهم وتصور المريض للمرض.

ويضيف أن حالات مثل «م.ز» تعكس ما يسميه العمى النفسى (psychological blindness)، حيث يشعر المريض أنه مصاب بأمراض خطيرة مثل انفصال الشبكية رغم خلو الفحوصات الطبية من أى خلل، ويصبح غير قادر على ممارسة حياته أو عمله بشكل طبيعي.

 

وبرغم ذلك، يشير إلى أن الاعتماد المنظم على أدوات الذكاء الاصطناعى لا يزال ذا قيمة، إذ يمكن أن يساعد فى حالات مثل الاكتئاب المزمن (chronic depression)، حيث ساعد مريضة على الشفاء من مرض اكتئاب مزمن استمر سنوات طويلة بسبب إعجابها بكلام إحدى أدوات الذكاء الاصطناعى المنظم والبسيط وبقدرته على توصيل المساعدة الطبية لها أفضل من جلسات العلاج النفسى التى حصلت عليها من أحد الأطباء الذين بخلوا بإعطاء المعلومات لمرضاهم – على حد تعبيرها.

 

ويختم قوله: (معلومات الذكاء الاصطناعى جيدة ومفيدة، لكنها على الإطلاق غير كافية)، لا تعطى صورة كاملة ولا دلالة على تشخيص دقيق ولا علاج صحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى