عاجلفن

من تقليد محمد جبريل إلى دار الأوبرا العمانية.. محطات فارقة في حياة المنشد مصطفى عاطف

كتبت- رضوي السبكي

يُعد المنشد والمديح النبوي مصطفى عاطف، المولود في السابع والعشرين من أغسطس عام 1990 بمركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، واحداً من أهم الوجوه الفنية والدعوية التي نجحت في إعادة صياغة مفهوم الإنشاد الديني وجعله قريباً من وجدان جيل الشباب في مصر والوطن العربي.

نشأ مصطفى في كنف عائلة محبة للدين، حيث ساعده والداه على حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وهو ما صقل موهبته الصوتية ومنحه مخارج حروف دقيقة وقوية. ورغم وفاة والده وهو في الثامنة عشرة من عمره، إلا أنه استكمل مسيرته التعليمية بتفوق حتى تخرج في كلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة، ليجمع بين العلم الشرعي والموهبة الفنية، وهو المزيج الذي مكنه لاحقاً من لقب “السفير الأزهري” في كافة المحافل الدولية التي شارك بها.

البدايات والتحول نحو القاهرة: من تقليد الكبار إلى صناعة هوية مستقلة

بدأت شرارة الموهبة تظهر على مصطفى عاطف وهو طفل صغير عندما لاحظت والدته براعته الفائقة في تقليد الشيخ محمد جبريل، وهو ما دفعها لتشجيعه على الإنشاد في مساجد قريته والاحتفالات السنوية لحفظة القرآن الكريم. ومع بلوغه الخامسة عشرة، قرر الانتقال إلى القاهرة لتعميق دراسته في علوم الإنشاد والقرآن والالتحاق بالمعاهد الأزهرية، حيث بدأ شغفه بإحياء التراث الديني القديم ينمو يوماً بعد يوم. وكان لجامعة الأزهر دوراً محورياً في انطلاقته الحقيقية، إذ بدأ في إحياء حفلات الإنشاد داخل الحرم الجامعي وانتقل منها إلى جامعات القاهرة والمنصورة وطنطا، ليصبح في وقت قصير المنشد المفضل لدى طلاب الجامعات الذين وجدوا في صوته نبرة صادقة تلامس قلوبهم وتبث فيهم روح الطمأنينة والسكينة.

أنشودة “قمر” والعالمية: لحظة فارقة غيرت مسار الإنشاد الحديث

في عام 2012، شهدت مسيرة مصطفى عاطف تحولاً جذرياً عندما سجل قصيدة “قمرٌ سيدنا النبي” على هيئة فيديو تصويري، وهي القصيدة التي كانت تلاقي تفاعلاً منقطع النظير في حفلاته الجامعية. حققت الأغنية انتشاراً واسعاً عبر الوسائل المرئية والمسموعة ولقيت استحساناً عالمياً، حتى أنها أصبحت تُغنى في دول شرق آسيا وأوروبا، ونال بفضلها لقب “القمر”.

هذا النجاح الباهر فتح له أبواب السفر إلى دول عديدة مثل إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، والسودان، ولبنان، والشيشان، حيث استُقبل استقبال الفاتحين، ونجح في تقديم صورة مشرفة للشباب الأزهري المثقف الذي يجمع بين الفن والقيم، مؤكداً أن الإنشاد الديني لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة لتصل إلى القلوب الحزينة والمتلهفة لحب النبي صلى الله عليه وسلم.

النشاط التلفزيوني والتعاون مع الرموز: دور ريادي في الإعلام الهادف

لم يكتفِ مصطفى عاطف بالوقوف على خشبات المسارح، بل اقتحم مجال الإعلام ببراعة، حيث قدم مجموعة من البرامج التلفزيونية والإذاعية الهادفة مثل “شُفت النبي” و”صُحبة” و”باب الخلق”، بالإضافة إلى مشاركته الدائمة في برامج الإعلاميين الكبار مثل عمرو الليثي وعمرو خالد. كما شارك في ندوات ومؤتمرات كبرى مع كبار العلماء والدعاة أمثال الدكتور علي جمعة، والحبيب علي الجفري، والداعية مصطفى حسني، وأحمد عمر هاشم.

هذا الحضور الإعلامي المكثف مكنه من تقديم رسالة دينية وسطية وجميلة، تجسدت في حفلاته مثل حفل “شكراً حبيبي” الذي كان بمثابة رسالة حب جماعية للنبي، كما لم يتوانَ عن المشاركة في المناسبات الوطنية والإنسانية، مثل إحياء ذكرى ألتراس أهلاوي، مما جعله منشداً لكل فئات المجتمع دون استثناء.

الإنتاج الفني والألبومات: توثيق المسيرة الإبداعية بالصوت والصورة

تُعد الألبومات الغنائية لمصطفى عاطف سجلاً حافلاً للتطور الفني الذي شهدته تجربته، فمن ألبوم “طيب قوي” عام 2014 إلى ألبوم “كأني معاك” عام 2018، استطاع أن يقدم تنوعاً موسيقياً يحافظ على وقار الإنشاد ويواكب حداثة التوزيع الموسيقي. كما لم ينسَ جذوره كقارئ للقرآن، حيث سجل جزء عم وسوراً مثل الرحمن ويس والكهف مع كبرى شركات الإنتاج مثل “صوت القاهرة”، ليؤكد أنه لا يتقاضى أجراً على تلاوة القرآن الكريم حباً وكرامة.

وفي عام 2026، يظل مصطفى عاطف أيقونة ثابتة في عالم المديح، متسلحاً برضا والدته ودعوات محبيه، ومحافظاً على عهده بأن يظل صوته جسراً للجمال والروحانية بعيداً عن صخب المادية، مؤمناً بأن الإنشاد المصري سيبقى دائماً هو الرائد والمحرك الأساسي لمشاعر المسلمين في كل بقاع الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى