عاجلمنوعات

كصيام الدهر كله.. كل ما تريد معرفته عن صيام الست من شوال.. هل تكون متتابعة أم يجوز تفريقها؟.. سبب كراهية صيامها عند الإمام مالك

كتبت- نانا إمام

شهر شوال أول أشهر الحج، ويُعَدُّ موسمًا مباركًا تتواصل فيه الطاعات بعد انقضاء شهر رمضان المعظم، ففيه يفرح المسلمون بعيد الفطر المبارك، وفيه يُسن صيام ستة أيام ليكتمل أجر صيام الدهر.

 

ومن جانبها حرصت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية على توضيح  أبرز الأحكام الفقهية المتعلقة بهذا الشهر الفضيل، وذلك في إطار توضيح أبرز الأحكام الشرعية المتعلقة بـصيام الست من شوال.

 

ما هو فضل صيام ستة أيام من شهر شوال؟

ورد في السنة المشرفة الحث على  صيام ستة أيام من شوال عقب إتمام صوم رمضان، وأن ذلك يعدل في الثواب صيام سنة كاملة، فروى الإمام مسلم في “صحيحه” عن أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» [صحيح مسلم (١١٦٤)].

 

وتفسير أن ذلك يعدل هذا القدر من الثواب، هو أن الحسنة بعشر أمثالها، روى البخاري عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا»، وعليه: فصيام شهر رمضان يعدل صيام عشرة أشهر، وصيام الستة أيام من شوال يعدل ستين يومًا قدر شهرين، فيكون المجموع اثني عشر شهرًا تمام السنة.

 

وقد جاء التصريح بهذا فيما رواه النسائي في “الكبرى” وابن خزيمة في “صحيحه” عن ثوبان- رضي الله عنه- مولى رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ».

 

 

هل يشترط صيام الست من شوال متتابعة أم يجوز تفريقها؟

اختلف الفقهاء في الأفضلية، فذهب الحنفية إلى أفضلية التفريق، قال الإمام الحصكفي الحنفي في “الدر المختار” [ص: ١٥١،ط – دار الكتب العلمية]: “وندب تفريق صوم الست من شوال، ولا يكره التتابع على المختار” اهـ.

 

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أفضلية التتابع، قال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في “مغني المحتاج” [٢/ ١٨٤، ط- دار الكتب العلمية]: [يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بـست من شوال كلفظ الحديث، وتحصل السنة بصومها متفرقةً، (و) لكن (تتابعها أفضل) عقب العيد؛ مبادرةً إلى العبادة، ولما في التأخير من الآفات] اهـ.

 

وهذه الأفضلية عند هؤلاء الفقهاء يمكن أن تنتفي إذا عارضها ما هو أرجح، كتطييب خواطر الناس، إذا كان الإنسان يجتمع مع أقاربه مثلًا على وليمة يدعى إليها، فمثل هذه الأمور من مراعاة صلة الرحم وإدخال السرور على القرابة لا شك أنها أرجح من المبادرة إلى الصيام عقب العيد أو التتابع بين أيامه، وقد نص علماء الشافعية والحنابلة على أن الكراهة تنتفي بالحاجة. انظر: “حاشية الرملي على أسنى المطالب” [١/ ١٨٦، ط – دار الكتاب الإسلامي]، و”غذاء الألباب” للسفاريني [١/ ٣٢٣، ط – مؤسسة قرطبة].

 

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى كراهة صيام هذه الأيام متفرقة أو متتابعة، وأما أبو يوسف فكرهها متتابعة لا مفرقة، لكن المعتمد من المذهب على خلاف هذا، قال الإمام ابن نجيم في “البحر الرائق” [٢/ ٢٧٨، ط- دار الكتاب الإسلامي] بعد أن حكى مذهب أبي حنيفة وصاحبه-: “لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا” اهـ.

 

ما رأي العلماء في صيام الست من شوال؟

استحب عامة العلماء صيام هذه الأيام الست في شوال، فروي ذلك عن ابن عباس- رضي الله عنهما- وطاوس والشعبي وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك وإسحاق- انظر: “المغني” لابن قدامة [٣/ ٥٦، ط- دار إحياء التراث العربي]، و”لطائف المعارف” لابن رجب [ص: ٢١٨، ط – دار ابن حزم]-، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة كذلك.

 

قال العلامة الشرنبلالي الحنفي في “مراقي الفلاح” [ص: ٢٣٥-٢٣٦، ط – المكتبة العصرية]: [ينقسم الصوم إلى ستة أقسام”:..(فرض) عين، (وواجب، ومسنون، ومندوب، ونفل، ومكروه.. وأما) القسم الرابع: وهو (المندوب فهو صوم ثلاثة) أيام (من كل شهر..و) منه (صوم ست من) شهر (شوال)؛ لقوله- صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضان فَأَتْبَعَهُ سِتًا مِن شَوَّال كَانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ» اهـ.

 

وقال الإمام النووي الشافعي في “منهاج الطالبين” [ص: ٧٩، ط- دار الفكر]: [يسن صوم الاثنين والخميس وعرفة وعاشوراء وتاسوعاء وأيام البيض وستة من شوال] اهــ.

 

وقال الإمام البهوتي الحنبلي في “كشاف القناع” [٢/ ٣٣٧، ط- دار الكتب العلمية]: [ويسن صوم ستة أيامٍ من شوال] اهـ

 

 

هل هناك أحد من العلماء قال بكراهة صيام الست من شوال؟

الإمام مالك، فالمعروف عنه أنه قائل بالكراهة، وقد جاء في “الموطأ” [ص: ٣١٠، ط – دار إحياء التراث العربي]: [قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك] اهـ.

 

وواضح من كلامه أن الكراهة عنده معللة بالخوف من أن يظن جهال العوام أن هذه الأيام ملحقة برمضان، فإذا انتفت تلك العلة تنتفي الكراهة.

 

وسد الذرائع أصل من أصول مذهب الإمام مالك، وقد رأى- رضي الله عنه- سد ذريعة الزيادة في العبادة بالمنع الذي ذكره، قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في “القبس” [١/ ٤٨٥، ط-دار الغرب الإسلامي]- معللًا تصرف الشارع في المباعدة بين الصوم التطوعي وأول شهر رمضان-: [احترازًا مما فعل أهل الكتاب؛ لأنهم كانوا يزيدون في صومهم على ما فرض الله عليهم أولًا وآخرًا، حتى بدَّلوا العبادة، فلهذا لا يجوز استقبال رمضان ولا تشييعه من أجله] اهـ.

 

هل يجوز الجمع بين نية قضاء أيام من رمضان ونية صيام الست من شوال؟

هذه المسألة تُعرف عند الأصوليين والفقهاء بمسألة “التشريك في النية”، وقد ذهب كثير من متأخري الشافعية إلى جواز وقوع الصوم عن القضاء وعن الست من شوال بنية واحدة، فيحصل له ثواب الست ويسقط عنه الفرض، غير أن ثوابه يكون دون ثواب من أفرد كل عبادة بصوم مستقل، قال العلامة الرملي الشافعي في “نهاية المحتاج” [٣/ ٢٠٨، ط – دار الفكر]: “وَلَوْ صَامَ فِي شَوَّالٍ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا أَوْ غَيْرَهُمَا أَوْ فِي نَحْوِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ التَّطَوُّعِ… لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ الصَّوْمِ فِيهِ” اهـ، بينما يرى الحنابلة والمالكية عدم جواز ذلك، والأولى والأحوط خروجًا من الخلاف أن يُفرد القضاء بنية، ويُفرد الست من شوال بنية أخرى إن اتسع الوقت.

 

 

هل يُقدم قضاء الأيام الفائتة من رمضان أم صيام الست من شوال؟

الأصل أن يبادر المسلم بقضاء ما فاته من صيام رمضان قبل الشروع في صيام التطوع، لقوله ﷺ في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» [صحيح البخاري (٦٥٠٢)]، ولأن الذمة مشغولة بالفرض فإبراء الذمة أولى من التطوع، فإن استطاع المسلم قضاء ما عليه من رمضان مما أفطر فيه قبل صيامها فهو أفضل؛ لحديث: «دَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» متفق عليه، ويمكن الجمع بين نية القضاء ونية صيام الأيام الستة عند علماء الشافعية، ويمكنه أن يصوم الأيام الستة في شوال ويؤخر القضاء بشرط الانتهاء من أيام القضاء قبل حلول رمضان التالي. [تاريخ الفتوى: ١٥ نوفمبر ٢٠٠٣ م- رقم الفتوى: ٢٢٦٢ من فتاوى: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد]

 

ما مدى اشتراط تبييت النية في صيام الست من شوال؟

ينبغي على مريد صوم النافلة- ومنها صيام الأيام الستة مِن شوال- تبييت نية الصيام من الليل، فإن أَصْبَح مِن غير أَنْ يُبَيِّت النية وأراد الصوم فصومه صحيح حينئذ، تقليدًا لمن أجاز، شريطةَ أن لا يكون قد أتى بمفسد للصوم من أكلٍ أو غيره [من موقع دار الإفتاء المصرية تاريخ الفتوى: ١٠ نوفمبر ٢٠٢٣ م – رقم الفتوى: ٨١٣٥ – من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام].

 

ما حكم الزواج وعقد القِرَانِ في شهر شوال؟ وما أصل كراهة ذلك عند العرب قديمًا؟

كانت العرب في الجاهلية تتشاءم من الزواج في شهر شوال، لاعتقادهم أن اسم “شوال” مشتق من “الإشالة” والرفع، فكانوا يظنون أن المرأة تمتنع عن زوجها كطبع الإبل في هذا الشهر، فجاء الإسلام وهدم هذه الخرافات، وتزوج سيدنا رسول الله ﷺ بأم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- في شوال، فعن عروة عن السيدة عائشة- رضي الله عنها- قالت: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ. [صحيح مسلم (١٤٢٣)].

 

قال الإمام النووي في شرحه على مسلم [٩/ ٢٠٩]: [وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّزْوِيجِ وَالتَّزَوُّجِ وَالدُّخُولِ فِي شَوَّالٍ، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَصَدَتْ عَائِشَةُ بِهَذَا الْكَلَامِ رَدَّ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ] اهـ.

 

هل يُعتبر شهر شوال من أشهر الحج؟ وما الذي يترتب على ذلك شرعًا؟

قال الخطيب الشربيني: “لِلنُّسُكِ زَمَانًا وَمَكَانًا: جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَالْمِيقَاتُ فِي اللُّغَةِ: الْحَدُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا زَمَانُ الْعِبَادَةِ وَمَكَانُهَا، وَقَدْ بَدَأَ بِالزَّمَانِ فَقَالَ: (وَقْتُ إحْرَامِ الْحَجِّ) لِمَكِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَجَمْعُهُ ذَوَاتُ الْقَعْدَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُعُودِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ فِيهِ (وَعَشْرُ لَيَالٍ) بِالْأَيَّامِ بَيْنَهَا، وَهِيَ تِسْعَةٌ (مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا وَجَمْعُهُ ذَوَاتُ الْحِجَّةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُقُوعِ الْحَجِّ فِيهِ، وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ قَوْلَه تَعَالَى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُر مَّعۡلُومَٰت﴾ [البقرة: ١٩٧] بِذَلِكَ، أَيْ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِهِ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ؛ إذْ فِعْلُهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَشْهُرٍ، وَأَطْلَقَ الْأَشْهُرَ عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ شَهْرٍ تَنْزِيلًا لِلْبَعْضِ مَنْزِلَةَ الْكُلِّ، أَوْ إطْلَاقًا لِلْجَمِيعِ عَلَى مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا یَقُولُونَۖ﴾ [النور: ٢٦]، أَيْ عَائِشَةُ، وَصَفْوَانُ (وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ)؛ وَهِيَ الْعَاشِرَةُ (وَجْهٌ) أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ لَا يَصِحُّ فِيهِ الْإِحْرَامُ، فَكَذَا لَيْلَتُهُ” اهـ [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: ٢/٢٢٢ ط دار الكتب العلمية].

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى