عاجلمقالات

سامح عبد الغني يكتب: تغير المناخ يضرب القهوة والشوكولاتة

تشهد الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة ارتفاعات ملحوظة في أسعار بعض المواد الاستهلاكية المحبوبة، لاسيما الشوكولاتة والقهوة، في ظاهرة يربطها الخبراء ارتباطًا وثيقًا بتغير المناخ وانعكاساته على الإنتاج الزراعي في المناطق الرئيسية المنتجة لهذه السلع الحيوية.

 

الشوكولاتة والقهوة

وتعد الشوكولاتة والقهوة  من السلع التي تعتمد سلاسل إنتاجها بشكل كبير على الظروف المناخية المستقرة، لكن الظروف الجوية القاسية التي تفاقمت بفعل الاحتباس الحرارى جعلت ذلك الإنتاج أكثر هشاشة وتقلبًا، مما يؤثر بدوره على الأسعار في الأسواق العالمية.

 

في الربع الأول من عام 2026 شهدت أسعار الشوكولاتة والقهوة تقلبات ملموسة، مع ارتفاع متوسط أسعار الكاكاو العالمية بنسبة 8% مقارنة بنهاية 2025، لتتراوح العقود المستقبلية بين 2,900 و3,100 دولار للطن، بعد انخفاض طفيف في فبراير بسبب زيادة المخزون المؤقت في غانا وساحل العاج. ومع ذلك، ظل سعر لوح الشوكولاتة في أوروبا مرتفعًا بنحو 12%، ما يجعل المستهلك يشعر بالغلاء رغم انخفاض أسعار المواد الخام.

 

أما القهوة، فقد ارتفعت العقود الآجلة من 1.90 دولار إلى 2.15 دولار للرطل خلال الربع الأول، نتيجة تقلص الإنتاج في كولومبيا ونقص بعض الأصناف عالية الجودة، بينما ساعد الإنتاج المستقر في البرازيل على منع ارتفاعات أكبر.

 

ويتوقع خبراء السوق أن استمرار الضغوط المناخية على مناطق زراعة الكاكاو والبن قد يؤدي إلى مزيد من التقلبات السعرية خلال بقية 2026، مع احتمالية تسجيل زيادات تصل إلى 15% على المنتجات النهائية إذا استمرت موجات الجفاف والأمراض النباتية.

 

وفى حالة الكاكاو  الذي يمثل المادة الأساسية لصناعة الشوكولاتة، شهدت السنوات الماضية تقلبات حادة في الإنتاج في مناطق مثل غانا وساحل العاج، وهما الأكبر في الإنتاج العالمي، بسبب تغير أنماط هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى انتشار أمراض النبات التي تؤثر على المحاصيل وتقلل الإنتاجية.

 

وتحمل التقديرات المستقبلية المزيد من القلق، إذ يرى بعض المحللين أن استمرار الذبول المناخي قد يجعل بعض المناطق التقليدية للكاكاو غير صالحة للزراعة في العقود المقبلة ما لم تتغير ممارسات الزراعة وتحسن الدعم الفني للمزارعين.

 

أما في قطاع القهوة ، فإن تغير المناخ يؤدي إلى زيادة وارتفاع وتيرة الحرارة في مناطق زراعة البن، مثل البرازيل وفيتنام وكولومبيا، وهو ما يعرّض المزارع لضغط بيئي يزيد من تعرضها للجفاف والأمراض مثل بقع الأوراق وفقدان الإنتاجية.

 

وأشار تحليل حديث إلى أن تغير المناخ أضاف في المتوسط نحو 57 يومًا سنويًا من الحرارة المضرة بمحاصيل القهوة في هذه المناطق، ما يحدّ من الإنتاج الجيد ويزيد من التكاليف الزراعية التي تُحمّل على المستهلك في النهاية.

 

وتنعكس هذه الضغوط المناخية مجتمعةً على الأسعار النهائية للمستهلك، حيث تستمر تكلفة كيس القهوة أو لوح الشوكولاتة في الارتفاع بالرغم من بعض التراجع في أسعار الكاكاو مؤخرًا، إذ تشهد السلسلة الإنتاجية ضغوطًا أخرى مثل ارتفاع تكلفة النقل والطاقة وارتفاع تكاليف العمالة، ما يجعل الاستقرار طويل الأمد في الأسعار بعيد المنال.

 

وفي مناطق الاستهلاك الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا، لاحظ المستهلكون تغيرات ملموسة في الأسعار، حيث ارتفعت تكلفة كوب القهوة بشكل مطرد على مدى السنوات الماضية، مع تسجيل زيادات في أسعار البن المحمص والمطحون والمنتجات المشتقة. هذا الارتفاع دفع بعض الشركات الناشئة إلى البحث في حلول مبتكرة مثل مشروبات قائمة على مكوّنات بديلة تهدف إلى تقليل الاعتماد على البن التقليدي.

 

ورغم أن بعض البيانات الحديثة تشير إلى تعافي موارد الكاكاو والقهوة في فترات قصيرة نتيجة لتحسن بعض الظروف المناخية في المواسم الأخيرة، فإن الاتجاه العام لا يزال يشير إلى تقلبات مستمرة وعرضة للمزيد من الارتفاعات إذا لم يتم احتواء التغير المناخي بشكل فعال عالميًا، وهو أمر يضع صانعي السياسات أمام تحدٍ مزدوج: حماية البيئة وضمان أمن المواد الغذائية المستدامة.

 

مخاوف اقتصادية

يخشى اقتصاديون أن يلحق هذا الارتفاع بأسعار الشوكولاتة والقهوة آثارًا اجتماعية أوسع إذا وصل إلى مستويات تجعل هذه المنتجات غير ميسورة للكثير من الأسر، لا سيما في دول تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يعكس كيف أن تغير المناخ لا يقتصر تأثيره على البيئة وحدها، بل يمتد ليؤثر في أسعار السلع الأساسية وسلوك المستهلك والمكونات الاجتماعية للاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى