عاجلمنوعات

خواطر أحمديات: رمضان… حين تصعد الأرواح وتزدهر الأرض بنور السماء

يكتبها عميد مهندس أحمد زكي

مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها.

رمضان… حين تصعد الأرواح وتزدهر الأرض بنور السماء

ليس رمضان شهرًا عابرًا في صفحات العام، بل هو موسمٌ إستثنائي تهدأ فيه النفس، وتلين فيه القلوب، وتعلو فيه الأرواح فوق صخب الحياة. هو زمنٌ يعود فيه الإنسان إلى نفسه، فيراجعها، ويصالحها، ويمنحها فرصة جديدة لتتنفس الإيمان.

منذ اللحظة الأولى، نشعر أن في الأجواء سكينة مختلفة  تخفت الضوضاء، ويعلو صوت القرآن في البيوت والمساجد  نمسك بالمصحف، فلا نقرأ كلمات فحسب، بل نفتح أبواب نور ومع كل آية نتدبرها، نشعر أن شيئًا بداخلنا يُرتَّب من جديد  يقول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وفي رمضان تتجلى هذه الطمأنينة واقعًا نعيشه لا معنى نردده.

ومع حلول الليل، تمتلئ المساجد بالمصلين في صلاة التراويح، صفوف متراصة تجمع قلوبًا جاءت تبحث عن الغفران قبل الثواب. نركع فنخلع عن أرواحنا ثقل الأيام، ونسجد فنشعر أننا أقرب ما نكون إلى السماء. وقد قال رسول الله ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» — رواه صحيح البخاري، وكأن القيام وعدٌ ببداية أنقى وصفحةٍ بيضاء.

غير أن رمضان لا يقتصر على العبادة الفردية، بل يمتد أثره إلى الشارع والبيت والمجتمع  فقبل أذان المغرب بدقائق، تتجلى أجمل الصور الإنسانية  ترى الجار يرسل طعامًا لجاره، وصديقًا يمد يده معتذرًا، وخصومةً تنتهي بكلمة طيبة إنها لحظات يتراجع فيها الغضب، ويتقدم الصفح.

وفي الشوارع، تزدهر الحياة بصورة مختلفة  الأضواء تتدلى بين البيوت كأنها خيوط فرح، والفوانيس تلمع في الشرفات والحارات كنجوم اقتربت من الأرض  باعة الكنافة والقطايف ينادون بلهجةٍ تحمل مذاق الشهر، وروائح المخبوزات تمتزج بالمخللات والسوبيا والعصائر على اختلاف أنواعها، فيتحول الطريق إلى لوحة نابضة بالبهجة وفي زوايا هادئة، تُجهَّز كراتين الخير لتصل إلى الأهل والأصدقاء والمعارف الطيبين، في مشهد صامت لا يعرف الضجيج، لكنه يعرف معنى الرحمة.

إنه صراع جميل يملأ الدنيا، سباق في فعل الخير، وتنافس في البذل والعطاء ، ورغبة صادقة في أن يسود التكافل والعدل الاجتماعي  رمضان يُوقظ في الناس أجمل ما فيهم، ويجعل الرحمة لغة مشتركة يتقنها الجميع.

وفي صورة تعكس روح الوطن، ترى المسلم ينتظر الأذان أمام المسجد، والمسيحي يهنئه بالشهر الكريم، وربما يشاركه تمرة أو دعوة صادقة  الكنيسة تبارك، والمسجد يدعو، والقلوب تلتقي تحت سماء واحدة  هنا يصبح رمضان جسرًا للمحبة،

ومع لحظة الإفطار، ترتفع الأكف إلى السماء  فالإفطار ليس مجرد كسرٍ للصيام، بل هو لحظة رجاء خالص  وقد قال النبي ﷺ: «للصائم دعوة لا تُرد» — رواه سنن ابن ماجه. فتخرج الدعوات صادقة من قلوب أنهكها الانتظار، لكنها امتلأت يقينًا.

ثم يمضي الليل نحو عمقه الهادئ، وتأتي صلاة التهجد في جوف الليل، حيث السكون الكامل والصفاء العميق. ينام الناس، وتبقى قلوب قليلة واقفة بين يدي الله، تستغفر وتبكي وتناجي. وفي تلك اللحظات، يشعر العبد أن السماء مفتوحة، وأن ذكر الله يتلألأ فيها نورًا يملأ الوجود. يقول تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وكأن السحر موعد خاص لا يتكرر إلا لمن أدرك قيمته.

وحتى الجسد يجد نصيبه من الطمأنينة؛ فالصيام تهذيب وتنظيم، يخفف من الإفراط ويعيد التوازن. نتعلم أن القليل يكفي، وأن البركة ليست في الكثرة، بل في الرضا.

ومع اقتراب السحور، تجتمع الأسرة حول مائدة بسيطة، لكنها عامرة بالمودة. يعلو دعاء خافت، وتتحرك القلوب بشكر صامت، ثم يرتفع أذان الفجر، ليعلن بداية يوم جديد من الصبر والأمل.

هكذا يمضي رمضان بين صلاةٍ ودعاء، وبين عملٍ ورحمة، وبين مسجدٍ وكنيسة يجمعهما وطن واحد وإذا خرج الإنسان من هذا الشهر بقلب لين ، ونفس أهدأ، وعلاقة أصلح مع الله والناس، فقد أدرك جوهر رمضان حقًا ومن كثرة  ثواب رمضان يتمنى  الجميع ان تكون السنة كلها رمضان.

اللهم اجعل رمضاننا نورًا في القلوب، ورحمة في البيوت، وعدلًا في المجتمع، وألفةً تجمع أبناء الوطن الواحد. واجعلنا ممن تصعد أرواحهم إليك طاهرة، وتتلألأ أسماؤهم في السماء بذكرك، وتبقى آثارهم في الأرض خيرًا ورحمة.

تحياتى ومن عندياتى،،،

رمضان كريم،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى