عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: مقامرة الدم الأخيرة

حين يخرج بنيامين نتنياهو ليتحدث عن “أدلة متزايدة” تشير إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، فنحن لا نكون أمام تصريح عابر أو زلة لسان سياسية، بل أمام خطوة محسوبة في لعبة حافة الهاوية. هذا النوع من التصريحات، في لحظة اشتعال إقليمي، إما أن يكون إعلانًا غير مباشر عن ضربة كبرى غيّرت قواعد الاشتباك، أو رسالة استفزازية مقصودة لدفع طهران إلى ردّ متهور يبرر جولة أوسع من النار.

الحديث عن مقتل رأس النظام الإيراني ليس تفصيلًا داخليًا يخص طهران وحدها؛ إنه زلزال سياسي وأمني قد يعيد تشكيل بنية السلطة هناك. فغياب خامنئي – إن تأكد – يفتح الباب على صراع أجنحة داخل النظام، ويمنح الحرس الثوري مساحة أوسع للتشدد، ويضاعف احتمالات الرد الانتقامي. أما إن كان الأمر مجرد حرب نفسية، فنحن أمام مقامرة خطيرة تشعل المشاعر وتعبئ الشارع، وتضع المنطقة كلها على حافة انفجار شامل.

وفي الوقت الذي تتطاير فيه التصريحات، جاء الانفجار العنيف الذي هز برجًا سكنيًا في البحرين إثر هجوم بمسيرة إيرانية ليؤكد أن الصراع لم يعد يدور في الظل. استهداف مناطق مدنية هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون تصعيدًا عسكريًا. حين تصل الطائرات المسيّرة إلى أبراج يسكنها مدنيون، فذلك يعني أن خطوط الردع التقليدية انهارت، وأن منطق “الرسائل المحدودة” تحوّل إلى منطق “الضرب المؤلم”.

المعادلة الآن مرعبة في بساطتها: ضربة تقابلها ضربة، وبيان يقابله تهديد، وكل طرف يراهن على أن الآخر سيتراجع أولًا. لكن التاريخ يخبرنا أن الرهانات الخاطئة هي الشرارة التي تشعل الحروب الكبرى.

الأنظار تتجه إلى جلسة مجلس الأمن الدولي الطارئة بشأن الهجمات على إيران. غير أن السؤال الصارم: هل يملك المجلس أدوات ردع حقيقية، أم سيكتفي بصياغات دبلوماسية باردة بينما تتساقط الصواريخ؟ العالم تعب من بيانات “القلق العميق”، والمنطقة لا تحتمل ترف الانتظار.

إن صحّت أنباء مقتل خامنئي، فنحن أمام فراغ قيادي قد يدفع النظام الإيراني إلى إثبات تماسكه عبر تصعيد خارجي أشد. وإن لم تصح، فإن إطلاق هذا التصريح بهذا التوقيت يكشف استعدادًا لاستخدام أخطر أوراق الضغط الإعلامي دون حساب لارتداداته.

المشهد يتجاوز صراع دولتين؛ إنه اختبار لإرادة المجتمع الدولي في منع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة قد تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. أي خطأ في الحسابات الآن لن يكون خطأ تكتيكيًا، بل خطأ تاريخيًا يُكتب بدم الأبرياء.

الرسالة واضحة: من يلعب بالنار في هذا التوقيت لا يملك رفاهية الخطأ. والشرق الأوسط لم يعد يحتمل مقامرات جديدة تُدار بعقلية كسر العظم. إما أن تتقدم الدبلوماسية بخطوة جريئة توقف هذا الانحدار، أو نستعد جميعًا لليلة أطول… وأشد ظلمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى