
لم يعد الأمر مجرد ظاهرة عابرة يمكن تجاهلها، بل تحول إلى خطر حقيقي يهدد استقرار الأسرة المصرية من الداخل. “مراهقة الستين” ليست حرية شخصية كما يحاول البعض تبريرها، بل حالة من الانفلات السلوكي والانهيار القيمي، حين يقرر رجل تجاوز الستين أن يتمرد على عمره، ويدوس بقدميه على تاريخ كامل من المسؤولية والاحترام.
كيف يمكن تفسير مشهد رجل أفنى عمره زوجًا وأبًا، ثم يتحول فجأة إلى شخص آخر؟ يتخلى عن وقاره، يطارد المظاهر، يلهث خلف إعجاب زائف على مواقع التواصل، ويغرق في عالم سطحي قائم على الاستعراض والفت الانتباه؟ إنها ليست أزمة سن، بل أزمة وعي وانفصال كامل عن الواقع.
الزوجة هنا هي الضحية الأولى. امرأة تحملت سنوات الكفاح، ووقفت بجوار زوجها في الشدة قبل الرخاء، لتجد نفسها في النهاية أمام رجل لا يشبه من عاشرته. رجل يسعى لإثبات أنه ما زال “شابًا” بأي ثمن، حتى لو كان الثمن كرامة زوجته، وسمعة أسرته، واستقرار بيته.
الأمر لا يقف عند حدود المظهر أو السلوك السطحي، بل يتطور في كثير من الحالات إلى إهمال متعمد، استهتار بالعلاقة الزوجية، وربما اندفاعات غير محسوبة تقود إلى خيانات عاطفية أو تصرفات تسيء لتاريخ كامل من الاحترام. وهنا تتحول الحياة الزوجية إلى عبء ثقيل، وتصبح كلمة “الخلع” هي طوق النجاة الوحيد لبعض الزوجات.
الأكثر خطورة أن هذا السلوك يُمارس أحيانًا بلا خجل، وكأن صاحبه يتحدى المجتمع وقيمه. رجل في عمر الجد، يتصرف كالمراهقين، يسعى للفت الأنظار، ويعتبر ذلك “حياة” و”انطلاقًا”، بينما هو في الحقيقة سقوط أخلاقي وسلوكي مدوٍ.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا خطيرًا في تغذية هذه الظاهرة. فقد صنعت وهمًا اسمه “الشباب الدائم”، وروّجت لفكرة أن التقدم في العمر عيب يجب الهروب منه. فانساق البعض خلف هذا الوهم، غير مدركين أنهم لا يستعيدون شبابهم، بل يفقدون ما تبقى من احترامهم.
لا يمكن تبرير هذا الانحدار تحت أي مسمى. فالنضج مسؤولية، والسن له وقاره، والرجولة الحقيقية تظهر في الحفاظ على البيت لا هدمه. من يريد أن يعيش شبابه من جديد، فليفعل ذلك بعقله لا بطيشه، وبكرامته لا بابتذاله.
رسالة واضحة وصارمة: من يهدم بيته بيده لن ينجو من العواقب. فالعمر لا يعود، لكن الكرامة إذا سقطت لا تُستعاد بسهولة. وبين وهم “التريند” وحقيقة الواقع، تضيع أسر، وتنكسر قلوب، ويظل السؤال قائمًا: هل يستحق هذا الوهم كل هذا الخراب؟



