عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: ليلة وداع بلا إنذار

لم تكن مجرد حرائق… كانت ليلة حزن ثقيلة خيّمت على الجيزة والقليوبية، ليلة خرج فيها الأبرياء من بيوتهم أو أماكن علاجهم وعملهم ولم يعودوا، ليلة اختلط فيها الدخان بالدموع، وتحولت فيها الصرخات إلى صمتٍ موجع لا يسمعه إلا من فقدوا أحبابهم.

مصحة بنها.. حين أصبح العلاج طريقًا للموت

داخل مصحة ببنها، كان مرضى يبحثون عن الشفاء، بعضهم مقيّد بالعجز، وآخرون أنهكهم المرض، وفجأة اشتعلت النيران.

الدخان الأسود تسلل إلى الصدور قبل أن تصل النيران، أنفاس انقطعت، وأيدٍ ارتفعت في الظلام طلبًا للنجدة، لكن الأبواب المغلقة ونقص التجهيزات حوّلت المكان إلى قبر جماعي.

سقط الضحايا واحدًا تلو الآخر، لا ذنب لهم سوى أنهم وثقوا في مكان قيل لهم إنه آمن. مشاهد مؤلمة لأسر تبحث عن أبنائها أمام المصحة، صراخ أمهات، وانهيار آباء أمام سيارات الإسعاف.

مصنع أكتوبر.. لقمة العيش تحترق

وفي الجيزة، لم يكن المشهد أقل وجعًا. داخل مصنع بمدينة السادس من أكتوبر، خرج عمال سعوا خلف لقمة عيش شريفة، فوجدوا أنفسهم فجأة محاصرين بالنيران.

لهب يلتهم المكان، وأجساد تحاول الهروب، وأصوات استغاثة تقطعت وسط الدخان.

سقط قتلى، وأُصيب العشرات، وخرج البعض بملابس محترقة ووجوه يكسوها السواد، بينما بقي آخرون تحت الأنقاض، تنتظرهم سيارات الإسعاف بقلوب مرتجفة.

بطولة لا تمحو الفقد

رجال الحماية المدنية خاضوا معركة حقيقية مع النار، 15 سيارة إطفاء اندفعت في سباق مع الزمن.

دخلوا وسط ألسنة اللهب، أنقذوا ما أمكن إنقاذه، لكنهم خرجوا وهم يعلمون أن هناك أرواحًا سبقتهم إلى السماء.

بطولة تُحترم، لكنها لا تستطيع إعادة الضحايا ولا تضميد قلوب ذويهم.

مع بزوغ الفجر، لم تعد الأمور كما كانت.

بيوت فُتحت على خبر الموت، أطفال فقدوا آباءهم، أمهات ينتظرن عودة لن تأتي، وأسر دخلت في حداد لا تعرف متى ينتهي.

ستبقى الصور عالقة: نعوش، دموع، وأسماء تُضاف إلى قائمة ضحايا الإهمال.

وجع يتكرر… ومحاسبة غائبة

هذه الليلة الحزينة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة إن استمر الصمت.

الإهمال يقتل، وغياب الضمير يشعل الحرائق قبل شرارة الكهرباء.

ما حدث في الجيزة والقليوبية جريمة إنسانية قبل أن يكون حادثًا، وجراحها ستظل مفتوحة ما لم تُحاسَب الأيادي المتسببة فيها.

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر…

لكن الرحمة وحدها لا تكفي، فالعدالة هي ما يحتاجه الأحياء قبل أن يصبحوا ضحايا جدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى