عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: لا للعب بالنار في الشرق الأوسط

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف الشرق الأوسط على حافة بركان سياسي وعسكري قابل للانفجار في أي لحظة. وبينما تتشابك المصالح الدولية وتتصاعد لغة السلاح، جاء التحرك المصري عبر الاتصال والتشاور مع فرنسا ليؤكد حقيقة ثابتة: أن مصر ما زالت تمثل صوت العقل في منطقة يتزايد فيها الضجيج العسكري وتغيب عنها أحيانًا حسابات الحكمة.

تحذير الرئيس عبد الفتاح السيسي من مخاطر اتساع رقعة الصراع في المنطقة لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل رسالة سياسية واضحة إلى كل من يظن أن إشعال الحرائق في الشرق الأوسط يمكن أن يمر دون ثمن. فالتاريخ القريب علمنا أن الحروب في هذه المنطقة لا تبقى محصورة في حدودها الضيقة، بل سرعان ما تتحول إلى فوضى عابرة للحدود تدفع الشعوب ثمنها من أمنها واستقرارها واقتصادها.

إن إدانة مصر الصريحة لاستهداف إيران لدول عربية ليست موقفًا انفعاليًا، بل موقفًا مبدئيًا يعكس رؤية ثابتة تقوم على رفض أي اعتداء يمس سيادة الدول العربية أو يهدد استقرارها. فالمنطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من المغامرات العسكرية أو الرسائل الصاروخية التي تزيد من اشتعال المشهد وتفتح أبواب المجهول.

المشكلة الحقيقية أن بعض القوى في الإقليم ما زالت تتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ، غير عابئة بأن كل صاروخ يُطلق وكل طائرة مسيرة تحلق فوق سماء دولة عربية إنما تدفع المنطقة خطوة جديدة نحو الفوضى الشاملة. وما يحدث اليوم يؤكد أن سياسة حافة الهاوية لم تعد لعبة سياسية، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا لأمن شعوب بأكملها.

مصر تدرك جيدًا خطورة هذه اللحظة، ولذلك تتحرك دبلوماسيًا مع القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها فرنسا، لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة. فالقاهرة تعلم أن الحرب إذا اشتعلت لن تترك رابحًا حقيقيًا، بل ستخلّف خرائط جديدة من الخراب والدمار.

لكن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الجميع هي أن أمن الدول العربية ليس ساحة مفتوحة للاختبار العسكري أو الرسائل السياسية. فسيادة الدول خط أحمر، وأي محاولة لتهديد استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وزيادة حالة الاحتقان التي تعاني منها المنطقة بالفعل.

إن الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما أن تنتصر لغة العقل والحوار، أو أن تستمر سياسة التصعيد التي قد تدفع المنطقة كلها إلى نفق مظلم لا أحد يعرف كيف يمكن الخروج منه. ولهذا فإن التحذير المصري ليس مجرد قراءة سياسية للمشهد، بل إنذار مبكر من سيناريو كارثي إذا استمر اللعب بالنار.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة أن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الصواريخ، بل إلى مزيد من الحكمة. لأن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها غالبًا تنتهي بكوارث إنسانية يدفع ثمنها الأبرياء. ومصر، وهي ترفع صوت التحذير اليوم، إنما تدافع عن استقرار إقليم كامل قبل أن يتحول الصراع إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى