
حين تطلب جهات التحقيق تحريات المباحث في اتهام خطير يطارد مؤلف مسلسل “فخر الدلتا”، فنحن لا نقف أمام خبر عابر في صفحات الحوادث، بل أمام واقعة تمس ضمير المجتمع كله. الاتهام بالتحرش ليس شائعة تُطوى، ولا مادة للثرثرة، بل جريمة مُجرّمة بنص القانون، وعارٌ أخلاقي إن ثبتت صحته.
الفن ليس مجرد صناعة للترفيه، بل مساحة تأثير ووعي وتوجيه. ومن يعتلي منصة التأليف، ويخاطب عقول الناس، يفترض فيه أن يكون قدوة في السلوك قبل أن يكون مبدعًا في النص. فإذا ما طاردته اتهامات بالتحرش بعدد من الفتيات، فإن الصمت ليس خيارًا، والتجاهل ليس حلًا، والرهان على النسيان جريمة ثانية.
طلب التحريات يعني أن هناك ما يستحق الفحص والتدقيق. والتحريات ليست إجراءً شكليًا، بل أداة لكشف الحقيقة كاملة، بعيدًا عن الضجيج. فإن ثبتت الاتهامات، فلا بد من محاسبة صارمة، لا تعرف مجاملات ولا توازنات فنية ولا حسابات إنتاجية. لا أحد فوق القانون، لا اسم لامع، ولا عمل ناجح، ولا جمهور عريض.
وإن ثبت العكس، وثبت أن الاتهامات لا سند لها، فالمطلوب أيضًا محاسبة من تعمد التشهير، لأن سمعة الإنسان ليست لعبة، ولا يجوز أن تُسحق تحت عجلات التريند.
الأخطر في هذه القضايا أن بعض المتهمين يراهنون على نفوذهم أو علاقاتهم أو خوف الضحايا من الفضيحة. وهنا يجب أن تكون الرسالة حاسمة: الدولة التي تُحرّك تحرياتها لا تخضع لسطوة شهرة، والمجتمع الذي يحترم نفسه لا يساوم على كرامة فتياته.
لسنا محكمة لنصدر حكمًا، لكننا أيضًا لسنا أبواق تلميع. واجبنا أن نضع القضية في حجمها الحقيقي: إما جريمة يجب أن تُقتلع من جذورها، أو ادعاء يجب أن يُفضح أصحابه. وبين الاحتمالين تقف العدالة، حاسمة، باردة، لا تعرف الانفعال ولا المجاملة.
القضية الآن في مسارها القانوني، والكلمة الأخيرة للقضاء. لكن الرسالة الأوضح من أي وقت مضى: من يسيء استخدام مكانته، يسقط. ومن يعتدي على كرامة إنسان، يواجه القانون. ومن يظن أن الفن مظلة تحميه، فليدرك أن القانون أوسع وأبقى وأقوى.



