
لم تكن الواقعة مجرد خطأ مهني عابر، بل مشهداً صادماً يعكس خللاً عميقاً في منظومة يفترض أنها تقوم على قدسية الحياة وصون كرامة الإنسان. العثور على «أجنة» ملقاة بين أكوام القمامة في المنيا لم يهز الرأي العام فحسب، بل كشف عن فجوة خطيرة في إدارة النفايات الطبية، وعن استهانة لا تغتفر بأمانة المهنة وحدود المسؤولية.
القضية هنا ليست تفصيلاً إجرائياً ولا مخالفة شكلية. نحن أمام جريمة متعددة الأبعاد: أخلاقية، وصحية، وقانونية. فالمخلفات الطبية — خصوصاً ما يتعلق ببقايا عمليات جراحية أو أنسجة بشرية — تُصنف ضمن أخطر أنواع النفايات، وتخضع لضوابط صارمة في الجمع والتخزين والنقل والمعالجة. وأي خلل في هذه السلسلة يعني فتح الباب أمام تلوث بيئي مباشر، واحتمالات عدوى قد تطال عمال النظافة، والأطفال، وسكان المناطق المحيطة.
كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
الإجابة المؤلمة أن الأزمة لا تتعلق بفرد واحد بقدر ما ترتبط بثقافة إدارية مهترئة، ورقابة متراخية، وربما سعي لتقليل التكلفة على حساب السلامة. بعض المنشآت تتعامل مع ملف النفايات باعتباره عبئاً مالياً، فتتجاهل التعاقد مع شركات متخصصة أو تلتف على الإجراءات، فتختلط المخلفات الخطرة بالقمامة العامة، في مشهد يعكس استهانة خطيرة بصحة المجتمع.
المفارقة أن التشريعات القائمة لم تترك الأمر بلا ردع. قانون تنظيم وإدارة المخلفات شدد العقوبات على تداول أو التخلص غير الآمن من النفايات الخطرة، ونص على السجن المشدد وغرامات قد تصل إلى ملايين الجنيهات، مع إمكانية غلق المنشأة وسحب الترخيص. لكن النصوص، مهما بلغت صرامتها، تظل حبراً على ورق إذا غابت الرقابة الفعلية وآليات التتبع والمحاسبة.
المطلوب اليوم ليس مجرد توقيع عقوبة، بل تفكيك جذور الخلل.
أولاً: مراجعة شاملة لآليات التعاقد مع شركات جمع النفايات الطبية، والتأكد من اعتمادها الفني والبيئي.
ثانياً: تطبيق نظام تتبع إلكتروني لكل كيس نفايات طبية من لحظة خروجه من غرفة العمليات حتى وصوله إلى وحدة المعالجة.
ثالثاً: تدريب إلزامي للعاملين داخل المنشآت الصحية على بروتوكولات الفصل والتخزين الآمن.
رابعاً: رقابة دورية مفاجئة، وإعلان نتائجها للرأي العام بشفافية كاملة.
الطب ليس نشاطاً تجارياً محضاً، بل رسالة إنسانية. وأي إخلال بأبسط قواعد السلامة في هذا المجال يمثل خيانة مزدوجة: خيانة لضمير المهنة، وخيانة لحق المجتمع في بيئة آمنة. إن تحويل بقايا طبية إلى «سموم في القمامة» لا يهدد الصحة العامة فحسب، بل يضرب الثقة في المؤسسات الصحية، وهي ثقة بُنيت عبر عقود من التضحيات.
فاجعة «أجنة المنيا» يجب أن تكون جرس إنذار لا يُطفأ بانتهاء التحقيق. المجتمع ينتظر رسالة واضحة: لا أحد فوق القانون، ولا تساهل مع من يعبث بأرواح الناس أو يستخف بسلامتهم. الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالخلل، ويمر بالمحاسبة الصارمة، وينتهي ببناء منظومة لا تسمح بتكرار الكارثة.
فإما أن تتحول الصدمة إلى نقطة إصلاح جذري، وإما أن تبقى جرحاً مفتوحاً في ضمير وطن لا يحتمل مزيداً من الإهمال.







