
لم يعد ملف التهرب من التجنيد مجرد مخالفة فردية تُعالج بإجراءات إدارية روتينية، بل أصبح قضية تمس صميم مفهوم الدولة الحديثة، التي تقوم على مبدأ الحقوق مقابل الواجبات. ومع التعديلات الأخيرة على قانون الخدمة العسكرية والوطنية في مصر، بدا واضحًا أن المشرّع اتجه نحو مزيد من الحسم والانضباط، إدراكًا لحجم التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد.
الخدمة العسكرية، وفقًا للدستور والقانون، واجب وطني إلزامي على كل من تنطبق عليه الشروط. ومن ثم فإن التخلف عن أداء الخدمة أو الهروب منها لا يُعد فقط مخالفة قانونية، بل يمثل إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة بين المواطنين. فبينما يؤدي آلاف الشباب واجبهم تحت راية القوات المسلحة، لا يمكن السماح لفئة أخرى بالتحايل أو التهرب دون مساءلة رادعة.
القانون الجديد شدد العقوبات بشكل واضح، إذ يواجه المتخلف عن التجنيد بعد بلوغه السن القانونية عقوبات قد تصل إلى الحبس، إلى جانب غرامات مالية كبيرة، مع استمرار ملاحقته قانونيًا حتى تصحيح موقفه. كما أن الهروب أثناء الخدمة يخضع لعقوبات أشد، نظرًا لما يمثله من مساس مباشر بالانضباط العسكري. ولا تتوقف الآثار عند حدود العقوبة الجنائية، بل تمتد إلى قيود عملية وإدارية، حيث يُحرم المخالف من استخراج بعض المستندات الرسمية أو شغل وظائف حكومية أو السفر في بعض الحالات، إلا بعد تسوية موقفه التجنيدي.
هذه الصرامة لا تعكس نزعة عقابية بقدر ما تعبر عن فلسفة تشريعية تقوم على الردع العام. فالدولة حين تشدد العقوبة، فإنها توجه رسالة واضحة: لا مساومة في قضايا الأمن القومي. والتجنيد ليس خيارًا شخصيًا يخضع للأهواء، بل التزامًا قانونيًا يعكس روح الانتماء والمواطنة.
ومع ذلك، فإن القانون لم يغفل البعد الإنساني. فقد أبقى على منظومة الإعفاءات المؤقتة والنهائية للحالات التي تقتضيها الظروف الصحية أو الاجتماعية، مثل العائل الوحيد أو غير القادر طبيًا على أداء الخدمة، وذلك وفق ضوابط دقيقة تكفل منع الاستغلال أو التحايل. هنا يظهر التوازن بين الحزم والعدالة، بين حماية الدولة ومراعاة ظروف الأفراد.
الواقع الإقليمي يفرض على مصر جاهزية دائمة لقواتها المسلحة، في ظل ما تشهده المنطقة من نزاعات وصراعات ممتدة. ومن ثم، فإن الحفاظ على منظومة تجنيد منضبطة وعادلة يعد جزءًا أساسيًا من استراتيجية الاستقرار الوطني. فلا تنمية بلا أمن، ولا أمن بلا التزام جماعي.
إن عقوبة التهرب من التجنيد في قانون الخدمة العسكرية الجديد ليست مجرد نصوص جامدة في الجريدة الرسمية، بل تعبير عن رؤية دولة ترى في الانضباط قيمة عليا، وفي العدالة بين أبنائها أساسًا لا يقبل التمييز. ومن هذا المنطلق، فإن الالتزام بالخدمة العسكرية لا يجب أن يُنظر إليه كعبء، بل كشرف ومسؤولية تُجسد أسمى معاني الانتماء.
ويبقى المعنى الأعمق: حين تستدعي الدولة أبناءها لأداء واجب الدفاع، فهي لا تطلب تضحية مجانية، بل تؤكد أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة… وأن من يتمتع بخيراته، عليه أن يكون مستعدًا لحمايتها.







