فى خطوة تشريعية حاسمة أنهت سنوات من الجدل، جاء قانون الإجراءات الجنائية الجديد ليضع حدًا للفوضى والتأويلات فى ملف «المنع من السفر»، ويعيد ضبط العلاقة بين الدولة وحقوق الأفراد، من خلال قواعد واضحة، وضمانات قوية، وصلاحيات مُحكمة تضمن أن يكون القرار فى حدود الضرورة فقط، لا عقوبة مستترة.
منع السفر.. قرار لم يعد مطلقًا أو بلا حدود
القانون الجديد لم يترك الباب مفتوحًا لاجتهادات أو قرارات مطاطة، بل حدّد نصًا أن «المنع من السفر» لا يُفرض إلا لأسباب جدية، وبقرارات صادرة من النيابة العامة أو محكمة مختصة، وفى إطار زمنى محدد، وليس إلى أجل غير معلوم كما كان يحدث سابقًا.
القرار أصبح الآن إجراءً احترازيًا لا يُستخدم إلا إذا كان السفر سيُجهض التحقيق أو يُفلت المتهم من العدالة، وليس أداة ضغط أو إجراء روتينى كما كان يشكو كثيرون.
صلاحيات محسوبة للنائب العام.. لا تجاوز ولا تعسف
أعطى القانون الجديد النائب العام صلاحيات واضحة لإصدار أوامر المنع من السفر، لكن وضع لها قيودًا تشريعية صارمة تضمن عدم التوسع فى استخدامها.
فالقرار يجب أن يكون مسببًا، وأن يتضمن المدة الزمنية، ولا يجوز إعادة تجديده دون مبررات قوية تُدوَّن رسميًا.
وبذلك أصبحت السلطة القضائية تملك أداة قوية، لكن مقيدة بالشفافية والرقابة، لمنع أى سلطة إدارية من اتخاذ قرارات اعتباطية ضد المواطنين.
حق المتهم فى التظلم خلال 15 يومًا.. انتصار لحقوق الدفاع
لأول مرة بهذا الوضوح، ألزم القانون الجهات المختصة بتمكين المتهم من حق التظلم من قرار المنع من السفر، خلال 15 يومًا من تاريخ علمه بالقرار.
هذا الحق ليس شكليًا، بل يلزم النيابة أو المحكمة بالفصل فى التظلم خلال فترة زمنية معقولة، مع تسبيب قرارها.
وبذلك أصبح المتهم طرفًا فى الإجراءات، وليس مجرد متلقى لقرارات لا يملك الاعتراض عليها.
تصاريح سفر استثنائية.. لكن وفق ضوابط لا تترك مجالًا للمحاباة
القانون الجديد فتح الباب أمام منح المتهم تصاريح سفر استثنائية فى الحالات الإنسانية أو الضرورية، لكنه وضع لذلك شروطًا دقيقة، أهمها:
تقديم طلب رسمى يوضح سبب السفر وضرورته.
عرض الطلب على النيابة أو المحكمة المختصة.
فحص جدية الأسباب ومدى تأثير السفر على سير التحقيق.
لم يعد الأمر يعتمد على العلاقات أو المجاملات، بل على ضوابط ثابتة لا تفرق بين متهم وآخر.
زمن الأحكام العرفية انتهى.. والدولة ترسخ دولة القانون
المنع من السفر لم يعد سيفًا مسلطًا بلا ضوابط، ولا إجراءً إداريًا يفتقر للشفافية، بل أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة العدالة، يخضع لميزان دقيق بين حماية المجتمع وصيانة حقوق الأفراد.
القانون الجديد لا يحمي المتهم فحسب، بل يحمي الدولة من القرارات الارتجالية، ويجعل كل خطوة محسوبة ومحكومة بنصوص واضحة، لتترسخ دولة القانون لا دولة التعليمات الشفوية.
القانون الجديد خطوة مهمة وضرورية، تؤكد أن الدولة ماضية فى تحديث تشريعاتها بما يواكب العصر ويحفظ كرامة المواطنين، ويضمن أن الإجراءات الاستثنائية تُستخدم فقط حيث يجب أن تُستخدم، لا أكثر ولا أقل.







