عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: سقوط أخلاقى مدوٍّ.. حين تُداس حرمة الموتى تحت أقدام الضجيج

ما جرى على مواقع التواصل الاجتماعى ليس خلافًا فى الرأى، ولا جدلًا صحيًا، ولا حتى سوء فهم عابر، بل هو سقوط أخلاقى كامل، وانكشاف مرعب لحالة من التحلل القيمى التى باتت تهدد أبسط ثوابت المجتمع، وعلى رأسها احترام الإنسان بعد وفاته.

القضية لم تكن مقترحًا بقدر ما كانت اختبارًا للضمير العام… والنتيجة جاءت صادمة.

ففى لحظة واحدة، تحوّلت حرمة الموتى إلى مادة للتندر، وتحول الجسد الإنسانى إلى أداة للتشهير، وتحولت فكرة إنسانية هدفها إنقاذ الأرواح إلى مذبحة لفظية بلا عقل أو وازع.

الضجيج المصطنع الذى أُثير حول مقترح التبرع كشف عن عقلية لا تناقش، بل تهاجم، لا تفهم، بل تصرخ، لا تحترم، بل تهين. عقلية تتعامل مع كل ما هو جاد باعتباره فرصة للتهريج، وكل ما هو إنسانى باعتباره مادة للتشويه، وكل ما هو مقدس باعتباره تفصيلة هامشية.

النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، وصفت ما حدث بأنه «مؤلم»، لكن الحقيقة أنه مهين ومفزع، لأنه أظهر كيف يمكن لفئة من الناس أن تدهس كرامة الإنسان الميت، دون أدنى إحساس بالخجل أو المسؤولية، وكأن الموت فقد قداسته، وكأن القبور باتت ساحة مفتوحة للعبث الإلكترونى.

المقترح، كما أوضحت النائبة، إنسانى بالدرجة الأولى، يستهدف إنقاذ الأرواح وتحسين جودة الحياة، وهو بطبيعته قابل للنقاش القانونى والشرعى والعلمى، لكن ما حدث لم يكن نقاشًا، بل هياجًا غوغائيًا، اختلط فيه الجهل بالصوت العالى، وسادت فيه الشتائم على الحجج، وارتفع فيه الضجيج بينما غاب العقل.

الأخطر من كل ذلك، أن هذا المشهد لم يكشف أزمة مقترح، بل فضح أزمة وعى عامة، أزمة مجتمع يتشدق بالقيم صباحًا، ثم يسحقها مساءً فى التعليقات والمنشورات، مجتمع يرفع شعار الأخلاق، لكنه أول من ينتهكها عندما تحين لحظة الاختبار.

إن حرمة الموتى ليست موضوعًا للتريند، ولا مادة للسخرية، ولا ملفًا للمزايدة، ومن لا يدرك قدسية الجسد بعد الوفاة، لا يمكن الوثوق بحديثه عن الأخلاق أو الدين أو الإنسانية.

ما حدث ليس دفاعًا عن الفضيلة كما زعم البعض، بل اغتيال للفضيلة نفسها، وتشويه لمعنى الحوار، وفضيحة أخلاقية مدوية تكشف إلى أى مدى يمكن أن ينحدر الخطاب العام حين يُترك بلا عقل ولا ضمير.

والسؤال الذى يجب أن يُطرح بمرارة:

إذا كنا لا نحترم الإنسان بعد موته… فكيف نزعم أننا نحترمه وهو حي؟

إنها ليست معركة رأى، بل معركة وعي، وما لم تُستعاد قدسية الإنسان، سيظل كل طرح إنسانى عرضة للنهش، وكل قيمة عرضة للدهس، وكل فكرة جادة محاصرة بالمهزلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى