
السؤال عن أموال مخالفات البناء لم يعد مجرد فضول شعبى، بل أصبح حقًا أصيلًا للمواطن الذى يدفع من جيبه، وينتظر أن يرى انعكاس ذلك فى حياته اليومية. ومع التوسع فى تطبيق “قانون التصالح”، بات من الضرورى تفكيك الصورة بشكل أوضح: كيف تُجمع هذه الأموال؟ وأين تذهب بالتحديد؟ ومن يراقب إنفاقها؟
فى البداية، تمر أموال التصالح بعدة مراحل منظمة. فالمواطن المتقدم بطلب التصالح يسدد رسوم الفحص، ثم قيمة التصالح التى تُحدد وفقًا لطبيعة المخالفة وموقعها. هذه الأموال لا تُترك عشوائيًا، بل تُوجه إلى حسابات مخصصة داخل خزينة الدولة، وتخضع لرقابة الجهات الرقابية، وعلى رأسها الأجهزة المالية.
لكن الأهم من التحصيل هو إعادة التوزيع. فالدولة لا تتعامل مع هذه٨ الأموال باعتبارها إيرادًا عامًا فقط، بل كمورد موجه لتحسين البنية التحتية، خاصة فى المناطق الأكثر احتياجًا. وهنا يظهر الربط المباشر مع المبادرات القومية مثل “حياة كريمة”، التى تستهدف تطوير الريف المصرى بشكل شامل.
فعلى أرض الواقع، تُستخدم حصيلة التصالح فى تمويل مشروعات محددة، أبرزها:
مشروعات الصرف الصحى:
آلاف القرى كانت تعانى من غياب شبكات الصرف، ما أدى إلى تسرب المياه الملوثة وانتشار الأمراض. جزء كبير من هذه الأموال يُعاد ضخه لإنشاء محطات معالجة ومد خطوط صرف حديثة، وهو ما ينعكس مباشرة على الصحة العامة.
بناء وتطوير المدارس:
الكثافة الطلابية فى بعض المناطقح وصلت إلى مستويات غير إنسانية. هنا تأتى أموال المخالفات لتساهم فى إنشاء مدارس جديدة أو توسعة القائم منها، ما يحقق بيئة٨ تعليمية أفضل.
رصف الطرق وتحسين المرافق:
الطرق الترابية والعشوائية كانت عنوانًا للإهمال، أما الآن فهناك توجه واضح لاستخدام هذه الموارد فى تمهيد الطرق الداخلية وربط القرى بالمراكز، مما يسهل حركة المواطنين ويعزز النشاط الاقتصادى.
تدعيم شبكات الكهرباء والمياه:
بعض المناطق العشوائية كانت تعتمد على توصيلات غير آمنة. إعادة توجيه الأموال ساهم فى تقنين هذه الأوضاع وتوفير خدمات أساسية بشكل آمن ومنظم.
هذا ما يُعرف بـ”العائد الأخضر”، وهو ليس مصطلحًا إنشائيًا، بل فلسفة تقوم على تحويل أثر سلبى (المخالفة) إلى عائد تنموى مستدام. أى أن المواطن الذى خالف، يشارك بشكل غير مباشر فى تمويل تطوير مجتمعه.
لكن الصورة لا تكتمل دون الحديث عن التحديات. فنجاح هذا النموذج مرهون بثلاثة عوامل حاسمة:
أولًا: الشفافية الكاملة
يجب إعلان أوجه إنفاق هذه الأموال بوضوح، من خلال تقارير دورية تُعرض على الرأى العام، لأن غياب المعلومات يفتح الباب للشائعات ويهز الثقة.
ثانيًا: الرقابة الصارمة
الأموال العامة تحتاج إلى متابعة دقيقة، لضمان عدم تسربها أو سوء استخدامها. وهنا يأتى دور الأجهزة الرقابية فى تتبع كل جنيه.
ثالثًا: منع تكرار المخالفات
إذا شعر البعض أن التصالح باب مفتوح دائمًا، فقد يتحول إلى حافز للمخالفة بدلًا من ردعها. لذلك، يجب أن يتزامن التصالح مع تطبيق حازم للقانون مستقبلاً.
فى النهاية، المسألة ليست مجرد أموال تُحصّل، بل منظومة كاملة تُعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن. فحين يرى المواطن أن ما دفعه تحول إلى مدرسة يتعلم فيها أبناؤه، أو طريق يسير عليه، أو شبكة صرف تحمى صحته، فإنه يدرك أن الدولة لا تجبى فقط… بل تبنى.
وهنا تتحول المخالفة من خطأ فردى إلى فرصة جماعية، ومن أزمة عمرانية إلى بداية حقيقية لحياة كريمة.



