
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالمدافع والطائرات، بل انتقلت إلى ساحات أكثر خفاءً وتأثيرًا، حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ميادين مفتوحة لحروب من نوع جديد، تُدار بالعقول قبل الأجساد، وبالشائعات قبل الرصاص. إنها حرب الإرهاب الحديث، التي لا تستهدف الأرض بقدر ما تستهدف الوعي، ولا تسعى لاحتلال المدن بقدر ما تسعى لاختراق العقول، خاصة عقول الشباب.
في هذا الفضاء الرقمي الواسع، لم تعد الأكاذيب مجرد أخبار مضللة عابرة، بل أصبحت منظومة متكاملة تُدار باحتراف، تُصاغ فيها الشائعة بعناية، وتُضخ عبر آلاف الحسابات الوهمية التي تعمل كخلايا نائمة، تنشر السموم الفكرية في صمت، وتعيد تدوير الأكاذيب حتى تتحول إلى “حقائق” في نظر البعض. هنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يصبح الزيف أكثر انتشارًا من الحقيقة، ويُعاد تشكيل وعي المجتمع وفق أجندات خفية.
ما يحدث اليوم هو ما يمكن وصفه بـ”التجنيد الناعم”، حيث لا يُطلب من الشباب حمل السلاح، بل يُدفعون تدريجيًا لتبني أفكار متطرفة، أو مواقف عدائية تجاه الدولة والمجتمع، من خلال محتوى يبدو بريئًا في ظاهره، لكنه يحمل رسائل مشفرة تُغذي الشك، وتُضعف الانتماء، وتُعيد تشكيل القناعات. إنها عملية غسيل عقول رقمية، تُدار بخوارزميات ذكية تعرف كيف تصل إلى الفئة المستهدفة، ومتى، وبأي لغة.
ولعل أخطر ما في هذه الحرب هو اعتمادها على الحسابات الوهمية، التي أصبحت العمود الفقري لهذا النشاط التخريبي. هذه الحسابات لا تنام، ولا تتعب، وتعمل ضمن شبكات منظمة، تُضخم الأحداث، وتفبرك الوقائع، وتخلق حالة من الفوضى المعلوماتية، تجعل المواطن البسيط عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والزيف. وهنا، تتحقق أهداف الإرهاب دون إطلاق رصاصة واحدة.
إن تقويض وعي المجتمع لم يعد يحتاج إلى تفجيرات أو عمليات عنف، بل يكفي بث الشك، وزرع الإحباط، وتغذية الانقسام، وهي أدوات تُستخدم بكثافة عبر المنصات الرقمية. ومع غياب الوعي الرقمي الكافي، يصبح المستخدم العادي فريسة سهلة لهذه الحملات، يشارك في نشر الشائعة دون أن يدرك، ويُسهم في هدم مجتمعه بيده.
المواجهة هنا لا يجب أن تكون أمنية فقط، بل فكرية وثقافية في المقام الأول. نحن بحاجة إلى بناء وعي رقمي حقيقي، يُحصن الشباب من الوقوع في فخاخ التضليل، ويُعلمهم كيفية التحقق من المعلومات، وقراءة ما بين السطور. كما أن على المؤسسات الإعلامية أن تستعيد دورها في تقديم محتوى موثوق، يُنافس هذا الطوفان من الأكاذيب.
في النهاية، تبقى المعركة الحقيقية هي معركة وعي. فإما أن نكون مجتمعات مدركة، قادرة على التمييز والتحليل، أو نُترك فريسة لحروب خفية تُدار من خلف الشاشات. وفي زمن أصبحت فيه الكلمة أخطر من الرصاصة، يصبح الدفاع عن الحقيقة واجبًا لا يقل أهمية عن الدفاع عن الوطن.







