العنف الرقمي يخرج من الشاشة إلى الواقع.. طفل يقتل زميله بالإسماعيلية تقليدًا للعبة إلكترونية.. خبراء: الألعاب تزرع القتل فى نفوس الصغار وتبرمج عقولهم.. والأسرة غائبة.. وهذه هى الحلول
شهدت محافظة الإسماعيلية واقعة مأساوية تقشعر لها الأبدان، حين أقدم طفل لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره على قتل زميله بوحشية تقليدًا لمشاهد إحدى الألعاب الإلكترونية الدموية، وكأن الواقع أصبح امتدادًا لعالم افتراضي مريض لا يعرف الرحمة ولا حدود الأخلاق. الحادثة فجّرت من جديد قضية العنف الرقمي الذي بات يلتهم عقول الصغار، ويحوّل براءتهم إلى نزعة انتقامية خطرة يصعب احتواؤها.
ما هو العنف الرقمي؟
العنف الرقمي ليس مجرد كلمات جارحة على الإنترنت أو تنمر إلكتروني كما يظن البعض، بل هو تأثير مباشر للوسائط التفاعلية والألعاب والشبكات الاجتماعية على السلوك الإنساني، حتى يصل بالأفراد — خاصة الأطفال — إلى محاكاة العنف في الواقع دون وعي.
إنه عنف يولد من الشاشة ويُترجم بالسلوك، حيث تغرس الألعاب الإلكترونية ومقاطع الفيديو العدوانية مشاعر القوة والسيطرة على الآخر بالعنف، لتصبح القسوة سلوكًا مألوفًا لا يثير في الطفل أدنى إحساس بالذنب.
خطر الألعاب الإلكترونية على عقول الصغار
دراسات علم النفس والسلوك أن تكرار التعرض لمشاهد القتل والدماء داخل الألعاب الإلكترونية يخلق اعتيادًا عصبيًا لدى الطفل، فيتراجع الشعور بالخوف والشفقة، ويحل مكانه إحساس زائف بالقوة والتحدي.
ألعاب مثل PUBG وFree Fire وGTA وغيرها، لا تقدم مجرد تسلية، بل تزرع رموز العنف في اللاوعي، وتربط الفوز بالقتل، والنجاح بإقصاء الآخر. ومع غياب دور الأسرة والرقابة المجتمعية، تتحول الشاشة إلى معلم خفيّ يربي جيلاً مبرمجًا على القسوة.
كيف تبرمج الألعاب عقول الأطفال؟
يقول خبراء التكنولوجيا والسلوك لـ«اليوم السابع» إن بعض الألعاب تُصمَّم عمدًا لتوليد الإدمان النفسي، من خلال ما يعرف بـ”نظام المكافأة العصبية”، الذي يجعل الطفل يرتبط باللعب ارتباطًا عاطفيًا أقوى من ارتباطه بالواقع.
ومع الوقت، يصبح الطفل مستعدًا لتكرار المشاهد التي شاهدها داخل اللعبة في الحياة الحقيقية، دون تمييز بين الخطأ والصواب. وهذا ما حدث في واقعة الإسماعيلية، حين تحوّل اللعب إلى جريمة، والخيال إلى دماء حقيقية على الأرض.
الأسرة الغائبة والمجتمع الصامت
الخبراء أجمعوا على أن غياب الرقابة الأسرية والتوعية المدرسية سمح لهذه الظاهرة بأن تتغلغل في بيوت المصريين. الأمهات منشغلات، والآباء غائبون، والمدارس لا تتابع ما يشاهده التلاميذ، فصار الطفل يربيه هاتفه لا والده، وتعلمه اللعبة لا مدرسته.
الحلول المطروحة
1. فرض رقابة حكومية مشددة على محتوى الألعاب الإلكترونية المنتشرة في مصر
2. إطلاق حملات توعية إعلامية تشرح للأهالي كيفية متابعة نشاط أبنائهم الرقمي.
3. إدراج مادة تربوية عن “الأمن الرقمي” في المناهج التعليمية.
4. تشجيع بدائل آمنة من الألعاب المحلية التي تنمي التفكير والإبداع لا العنف والدماء.
5. إعادة بناء الوعي الأسري عبر جلسات تربوية ومراكز إرشاد
حادثة الإسماعيلية لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة إذا استمر التغافل عن هذا الخطر الزاحف من خلف الشاشات.
العنف الرقمي لم يعد افتراضياً، بل أصبح وباءً نفسياً يقتل في صمت.
فإذا لم نستيقظ اليوم، قد نصحو غدًا على جيل كامل يتعامل مع القتل كأنه لعبة… ومع الدم كأنه فوز.







