
لم يكن ما جرى تحت قبة مجلس النواب المصري مجرد تعديل تقني على نصوص قانونية، بل كان إعلانًا صريحًا بأن الدولة المصرية تعيد ضبط بوصلتها التشريعية بما يتوافق مع طبيعة التحديات التي تواجهها. فتعديل مشروع قانون «الخدمة العسكرية» يعكس إدراكًا عميقًا بأن معركة الوطن لم تعد تقليدية، وأن الإرهاب فرض واقعًا جديدًا يستوجب معايير أكثر دقة وعدالة في التعامل مع ملف الشهداء وأسرهم.
إضافة «العمليات الإرهابية» كمعيار ضمن حالات الإعفاء أو الاستحقاقات ليست مجاملة عاطفية، بل تصحيح تشريعي طال انتظاره. فالشهادة لا تُقاس بطبيعة السلاح المستخدم ضد صاحبها، بل بغاية التضحية ذاتها: الدفاع عن الوطن. ومن سقطوا برصاص الغدر في مواجهة الإرهاب، سواء في نقاط التفتيش أو الكمائن أو خلال عمليات التأمين، قدموا أرواحهم في معركة لا تقل ضراوة عن ميادين الحروب النظامية.
هذا التعديل يحمل بعدًا أخلاقيًا قبل أن يكون قانونيًا؛ فهو يُقرّ رسميًا بأن الدولة تعترف بخصوصية المواجهة مع الإرهاب، وتمنح أسر الشهداء تقديرًا يتناسب مع حجم التضحيات. إنه تحويل لمشاعر الامتنان إلى نصوص ملزمة، تُحصّن الحقوق وتمنع أي اجتهادات قد تنتقص من قدر الشهادة.
وفي المقابل، جاء التشديد على عقوبات المخالفين والمتخلفين عن أداء الخدمة العسكرية ليؤكد أن العدالة الوطنية لا تكتمل إلا بوجهين: التكريم والحزم. فلا يمكن لدولة تواجه تحديات أمنية متشابكة أن تتساهل مع من يتهربون من واجبهم. الخدمة العسكرية ليست خيارًا شخصيًا يُقبل أو يُرفض وفق المزاج، بل التزام دستوري وأخلاقي يُجسد مفهوم المشاركة في حماية الوطن.
النقاشات البرلمانية كشفت عن وعي سياسي بأن الأمن القومي لا يُصان فقط بالسلاح، بل أيضًا بالقانون. فالتشريع هنا يلعب دورًا تكميليًا في ترسيخ الانضباط المجتمعي، وتعزيز الإحساس بالمساواة أمام الواجب العام. حين يشعر المواطن أن الدولة تُنصف أبناءها الذين ضحوا، وتُحاسب من يتقاعس، تتعزز الثقة في المؤسسات.
كما أن التعديل يبعث برسالة إقليمية واضحة: مصر تُدير ملف أمنها الداخلي بعقل بارد وإرادة حاسمة. فهي لا تكتفي برد الفعل، بل تُراجع تشريعاتها باستمرار لتظل مواكبة لطبيعة التهديدات. وهذا النهج يعكس نضجًا مؤسسيًا يوازن بين مقتضيات الأمن واعتبارات العدالة.
إن فلسفة «الخدمة العسكرية» في جوهرها تتجاوز فكرة التجنيد الإلزامي؛ فهي مدرسة انضباط وتكوين وطني. ومن هنا، فإن حماية هذا المفهوم من العبث أو التراخي ضرورة استراتيجية. فالدولة التي تُكرّم شهداءها وتحاسب المقصرين ترسل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج معًا: لا تهاون في أمن الوطن، ولا مساومة على دماء أبنائه.
في النهاية، يبقى التعديل خطوة في مسار أوسع لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس واضح: الوطن أولًا. ومن يضحي لأجله يُكرَّم، ومن يتهرب من واجبه يُحاسَب. تلك هي المعادلة التي تحفظ تماسك الجبهة الداخلية، وتُبقي راية الدولة مرفوعة في وجه كل من يحاول النيل منها.







