عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: بين قرينة البراءة وضجيج المنصات .. صدام في قضية سارة خليفة

شهدت قاعة محكمة جنايات القاهرة جلسة بالغة التوتر، تحولت من مجرد مرافعات قانونية إلى مواجهة صريحة حول حدود الإعلام، وقدسية العدالة، وخطر الأحكام المسبقة، في القضية المتهمـة فيها المذيعة والمنتجة الفنية سارة خليفة وآخرون، على خلفية اتهامات جسيمة تتعلق بتصنيع والاتجار في المواد المخدرة.

الجلسة بدأت بخلاف حاد داخل هيئة الدفاع حول أولوية الترافع، قبل أن تنتهي الكلمة للمحامي محمد حمودة، الذي فجّر مفاجأة قانونية من العيار الثقيل، مطالبًا بمحاكمة الإعلامي عمرو أديب بسبب تصريحاته الإعلامية التي تناولت موكلته، معتبرًا أن ما صدر يمثل ـ بحسب قوله ـ اعتداءً صريحًا على قرينة البراءة، وتدخلاً غير مقبول في مسار العدالة، وتأثيرًا مباشرًا على الرأي العام قبل صدور حكم قضائي نهائي.

وأكد حمودة أن تحويل القضايا المنظورة أمام القضاء إلى “منصات إدانة إعلامية” يشكل ضغطًا خطيرًا على العدالة، ويهدر مبدأ المحاكمة العادلة، مطالبًا بوقف ما وصفه بـ“التشهير المقنّع”، ومنع الإعلاميين من إصدار أحكام مسبقة على المتهمين، والتزامهم بالحدود المهنية التي يصونها الدستور والقانون.

وفي تطور لافت، تقدم دفاع سارة خليفة بطلب رسمي إلى هيئة المحكمة للسماح بتصوير مرافعة الدفاع، استجابة لطلب موكلته التي قالت نصًا: “عايزة مرافعة دفاعي تتصور زي مرافعة النيابة العامة”، معتبرًا أن بث مرافعة النيابة دون الدفاع يخلّ بمبدأ التوازن والعدالة، ويمنح رواية واحدة مساحة التأثير على الوعي العام.

غير أن رئيس الدائرة حسم الجدل، مؤكدًا أن للمحكمة السلطة التقديرية الكاملة في تنظيم عملية التصوير داخل القاعة، موضحًا أن قرار منع التصوير عقب مرافعة النيابة جاء حرصًا على حقوق المتهمين، وتفادي إصدار أحكام شعبية مسبقة، قد تسبق حكم القضاء وتشوّه ميزان العدالة.

ادعاء عدم حيادية التحقيقات

على جانب آخر، طلب ممثل النيابة العامة من هيئة المحكمة إثبات ما ورد على لسان المحامي محمد حمودة بشأن عدم حيادية التحقيقات، معتبرًا أن ما أُثير يمثل إقرارًا صريحًا يستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وأكد ممثل النيابة أن إثبات هذا الادعاء يأتي تمهيدًا لاتخاذ ما يلزم قانونًا حيال ما ورد في المرافعة.

اتهامات ثقيلة وإجراءات صارمة

وتواجه المتهمة سارة خليفة وباقي أفراد التشكيل اتهامات بالغة الخطورة، تشمل تكوين عصابة إجرامية منظمة، متخصصة في جلب المواد المستخدمة في تخليق المواد المخدرة وتصنيعها بقصد الاتجار، فضلًا عن إحراز وحيازة أسلحة نارية وذخائر دون ترخيص، وهي جرائم تصل عقوبتها ـ وفقًا للقانون المصري ـ إلى السجن المؤبد.

وكانت جهات التحقيق قد أمرت بالتحفظ على أموال المتهمة وآخرين، وتجميد أرصدتهم البنكية، ضمن حزمة إجراءات احترازية مشددة، قبل إحالة 28 متهمًا – من بينهم سارة خليفة حمادة – إلى محكمة الجنايات.

العدالة تحت الاختبار

تعكس هذه الجلسة واحدة من أخطر الإشكاليات التي تواجه منظومة العدالة اليوم: الصدام بين حق المجتمع في المعرفة، وحق المتهم في محاكمة عادلة. فبينما يظل القضاء هو الحكم الوحيد، تبقى قرينة البراءة خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه، ولا يملك أحد ـ مهما بلغت شهرته أو تأثيره ـ أن ينال منها أو يفرغها من مضمونها.

القضية ما زالت أمام منصة القضاء، والكلمة الأخيرة ستظل للقانون… لا للكاميرات، ولا للمنصات، ولا للأحكام المسبقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى