عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: العدالة تطرق أبواب البيوت من جديد

في زمنٍ كثرت فيه الصراعات الأسرية، وتحوّلت بعض دعاوى النفقة والخلع والحضانة إلى معارك كسر عظام بين الأزواج، جاءت محكمة النقض المصرية لتعيد الانضباط إلى ميزان العدالة داخل البيت المصري، بقرارات ومبادئ قانونية وُصفت بالتاريخية، أعادت التوازن بين الحقوق والواجبات، ومنعت إساءة استخدام القانون كسلاح انتقام أو وسيلة إذلال.

أكدت الأحكام الأخيرة أن النفقة ليست جزاءً أو عقوبة، بل مسؤولية عادلة تُقدَّر بميزان الدخل والظروف المعيشية، بعيدًا عن المكايدة أو المبالغة.

وشددت المحكمة على أن الزوجة لها حق النفقة بما يليق بكرامتها وبمستوى المعيشة الذي اعتادته أثناء الزواج، ولكن دون إفراط يُنهك الزوج أو يفتح باب الابتزاز المادي.

وفي المقابل، وضعت النقض ضوابط دقيقة للخلع، فأكدت أن الخلع ليس مخرجًا للتهرب من الحقوق أو وسيلة للانتقام، بل باب شرعي ينهي علاقة استحالت فيها العشرة، دون تجريح أو إضرار بأي طرف.

واحدة من أهم الرسائل التي وجهتها محكمة النقض هي أن مسكن الحضانة حق للطفل لا للوالدين.

فالمحكمة شددت على أن إقامة الصغار يجب أن تراعي مصلحتهم النفسية والاجتماعية، وألا تتحول إلى ورقة ضغط يستخدمها أي طرف لتحقيق مكاسب شخصية.

وأكدت في حيثياتها أن “البيت الذي كان يومًا مأوى للأسرة، لا يجوز أن يصبح ساحة انتقام أو وسيلة إذلال”.

تلك الأحكام لم تكن مجرد تفسير للقانون، بل إعادة إنعاش لضمير العدالة، ورسالة صريحة بأن الرحمة هي جوهر القوانين الأسرية، وأن هدف القضاء ليس الانتصار لأحد، بل حماية كيان الأسرة ومنع انهيارها تحت وطأة الأهواء.

فالقاضي، كما قالت النقض في إحدى حيثياتها، “يحكم باسم العدالة لا باسم الغضب، ويزن الأمور بميزان الحق لا بميزان الكيد”.

أبرز ما في هذه المبادئ أنها أوقفت نزيف المكايدات الأسرية، بعدما لجأ البعض إلى استغلال ثغرات القانون لتصفية حسابات شخصية.

فأكدت المحكمة أن القانون وُجد لرد المظالم لا لتبادل الطعنات، وأن من يستخدمه في غير موضعه يُفرغ العدالة من معناها.

بهذه الأحكام أعادت محكمة النقض هيبة القانون وهيبة الأسرة معًا، وأثبتت أن العدالة ليست في الأوراق فقط، بل في الضمير القضائي الذي يحمي المجتمع من التمزق.

لقد وضعت النقض حدًا للفوضى، ورسّخت مبدأ أن البيوت تُبنى على العقل والرحمة، لا على الأحكام الانتقامية.

تؤكد هذه الخطوة أن القضاء المصري ما زال درع العدالة الاجتماعية وسند الأسرة المصرية، وأن صوت النقض اليوم ليس حكمًا فقط، بل رسالة وعيٍ وضميرٍ وكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى