
ما يحدث اليوم على منصات التواصل لم يعد انحرافًا عابرًا أو سلوكًا فرديًا يمكن احتواؤه بالنصح، بل أصبح انفلاتًا أخلاقيًا فجًّا، تتحول فيه الشاشات إلى ساحات إعدام معنوي، وتُستباح فيه كرامة ذوات البشرة السمراء بلا رادع، وبلا خجل، وبلا حساب.
نحن أمام جريمة مكتملة الأركان تُرتكب كل دقيقة: سبّ، سخرية، تشويه، وتقليل من إنسان بسبب لون بشرته. أي انحدار هذا؟! وأي قاع وصل إليه البعض حتى أصبح اللون مادة للشماتة، والاختلاف مبررًا للإهانة؟! هذا ليس “هزارًا” ولا “حرية تعبير” كما يروّج الجبناء خلف الشاشات، بل عنصرية قذرة تعكس عقولًا مريضة، لا تعرف معنى الإنسان ولا قيمة الكرامة.
الأشد خطورة أن هذه الإهانات لم تعد تُقال همسًا، بل تُقذف علنًا، في تعليقات مكشوفة، وكأن مرتكبيها يملكون حصانة غير معلنة. وهنا تتحول المنصات إلى حاضنة للكراهية، تُضخّم الإساءة وتمنحها انتشارًا، بينما تُترك الضحية وحدها في مواجهة سيل من الإذلال النفسي الممنهج.
الصمت على هذا المشهد ليس حيادًا.. بل تواطؤ صريح.
وترك هؤلاء دون ردع ليس تساهلًا.. بل تفريط في أبسط قواعد العدالة.
أين الردع القانوني الحقيقي؟!
أين الضرب بيد من حديد على كل من يختبئ خلف حساب وهمي ليبث سمومه؟!
كيف يُترك المجال مفتوحًا أمام هذا “الإرهاب اللفظي” دون ملاحقة حاسمة تضع حدًا لهذا العبث؟!
الحقيقة التي يجب أن تُقال دون تجميل:
نحن أمام شكل حديث من أشكال البلطجة.. لكن بوسائل رقمية.
بلطجة تُمارس بالكلمة، وتُدار بالحقد، وتستهدف كسر كل مختلف وإسكاته.
والمطلوب الآن ليس بيانات شجب، بل إجراءات صادمة وحاسمة:
تشريعات تُجرّم العنصرية الرقمية بوضوح لا يحتمل التأويل،
عقوبات رادعة تُطبّق فورًا،
ومنصات تُجبر على تنظيف ساحاتها من هذا القبح، لا التربح من انتشاره.
المعركة لم تعد تخص فئة بعينها، بل تمس صورة مجتمع بأكمله. فإما أن نكون مجتمعًا يحترم الإنسان مهما كان لونه، أو نتحول إلى غابة إلكترونية يحكمها الأقبح صوتًا والأكثر انحطاطًا.
الخلاصة التي لا تحتمل المواربة:
من يطلق الرصاص بالكلمات.. مجرم.
ومن يصمت عليه.. شريك.
ومن يتهاون في ردعه.. يفتح الباب لفوضى لا سقف لها.







