عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: الخفراء.. من بندقية إلى شاشة

لم يعد الخفير فى الريف مجرد رجل يحمل بندقية ويجوب الحقول ليلًا كما اعتاد المصريون أن يروه لعقود طويلة. اليوم تغيّرت الملامح تمامًا، ودخل الخفير عصرًا جديدًا تقوده الخوارزميات، وتدعمه التكنولوجيا، ويصونه الفكر الأمنى الحديث الذى تبنّته وزارة الداخلية لتطوير منظومة الأمن الريفى.
تحوّل الخفير إلى “عين ذكية” تتحرك على الأرض، مُدعّمة بأحدث الأجهزة الرقمية وأدوات المراقبة المتصلة بالذكاء الاصطناعى، ليصبح عنصرًا فاعلًا فى منظومة متكاملة لا تعرف النوم، هدفها حماية الريف والإنسان والممتلكات فى زمن تتطور فيه الجريمة بنفس سرعة تطور التكنولوجيا.
تدريب من نوع جديد.. خفير يجيد التابلت قبل البندقية
وزارة الداخلية وضعت منهجًا تدريبيًا غير مسبوق لإعادة تأهيل الخفراء، يجمع بين الحس الأمنى القديم وروح التكنولوجيا الحديثة. لم يعد الخفير يكتفى بالتدريبات البدنية أو استخدام السلاح فقط، بل أصبح يجتاز دورات مكثفة فى التعامل مع الأجهزة الذكية، قراءة الخرائط الرقمية، استخدام تطبيقات البلاغ الفورى، وتحليل الصور الواردة من الطائرات المسيرة وكاميرات الرصد.
الوزارة ركزت كذلك على التدريب الأخلاقى والقانونى، لضمان استخدام التكنولوجيا بما يحفظ حقوق المواطنين ويصون خصوصيتهم، فى إطار منظومة منضبطة تشرف عليها جهات فنية متخصصة تراجع كل البيانات أولًا بأول.
أجهزة متطورة.. عيون تراقب وتحلل
الداخلية أدخلت مجموعة من الأجهزة المتطورة التى غيرت مفهوم الأمن الريفى بالكامل:
أولًا – كاميرات ذكية للتعرف على اللوحات:
نُصبت على مداخل القرى والطرق السريعة، وتعمل بتقنية “ANPR” لتسجيل كل المركبات المارة وتحليل بياناتها لحظيًا. هذه الكاميرات قادرة على اكتشاف المركبات المبلغ بسرقتها أو تلك المستخدمة فى أنشطة مشبوهة فى ثوانٍ معدودة، وتنبيه أقرب وحدة أمنية فورًا.
ثانيًا – طائرات مُسيّرة للرقابة الجوية:
لم تعد المراقبة مقتصرة على الأرض فقط، بل تمتد إلى السماء. الطائرات بدون طيار المزودة بكاميرات حرارية تعمل ليلًا ونهارًا، ترصد الحركة فى المناطق الزراعية والصحراوية، وتساعد على تحديد أماكن التسلل أو التجمعات غير المشروعة بدقة عالية.
ثالثًا – كاميرات التحليل الحركى:
تراقب المشاهد وتتعرف تلقائيًا على سلوكيات غير طبيعية، مثل تجمع مفاجئ، أو جسم يُلقى على الطريق، أو شخص يتحرك عكس الاتجاه. النظام يُصدر إنذارًا فوريًا إلى غرفة العمليات لتقييم الموقف وإرسال قوة فى الحال.
رابعًا – أنظمة التعرف على الوجوه:
بفضل الذكاء الاصطناعى، يمكن للنظام مطابقة صورة أى شخص مع قاعدة بيانات المطلوبين أو المفقودين، ما ساعد فى كشف عدد من القضايا خلال فترات قياسية، مع التزام كامل بمعايير الخصوصية وحماية البيانات.
خامسًا حساسات أرضية وكاشفات حركة:
تم تركيب مجسات دقيقة على الطرق الزراعية والأسوار الحيوية، قادرة على رصد مرور أشخاص أو مركبات، وتنبيه النقطة الأمنية الأقرب، خاصة فى المناطق النائية.
سادسًا – أجهزة كشف الأصوات وإطلاق النار:
شبكات دقيقة من الميكروفونات الذكية قادرة على التقاط صوت إطلاق نار أو انفجار، وتحليله لتحديد مصدره بدقة تصل إلى أمتار محدودة، ما يتيح التدخل الفورى قبل تفاقم الموقف.
سابعًا – منصات القيادة والسيطرة المركزية:
غرف عمليات مزودة بشاشات تفاعلية تجمع بيانات الكاميرات، الحساسات، البلاغات، ومواقع الدوريات فى خريطة واحدة. هذه المنصات تُقدّم للقادة الميدانيين صورة لحظية للوضع، مع اقتراحات ذكية لإدارة الموارد والتعامل مع الطوارئ.
ثامنًا – وحدات جنائية متنقلة:
سيارات مجهزة بأحدث أدوات الفحص الرقمى والتحليل الميدانى، قادرة على جمع الأدلة وتوثيقها فى موقع الحدث فورًا، ما يختصر زمن التحقيق ويمنع ضياع الأدلة.
أمن الريف يدخل مرحلة التفاعل الفورى
أحد أبرز إنجازات هذا التطوير هو الربط الفورى بين الخفراء ومراكز القيادة عبر أنظمة اتصال مشفرة تعمل حتى فى غياب الشبكات العامة. الخفير فى الميدان يستطيع بث صور أو فيديو مباشر إلى مركز العمليات، وتلقّى الأوامر أو الدعم فى ثوانٍ.
هذا التطوير جعل من كل قرية “نقطة متصلة” فى شبكة وطنية واحدة، تتابع وتستجيب وتوثّق كل حدث لحظة بلحظة.
نتائج ملموسة.. وقرى أكثر أمانًا
النتائج الميدانية جاءت لافتة: انخفاض معدلات الجريمة الريفية، تراجع بلاغات السرقات والاعتداءات، وارتفاع ثقة الأهالى فى المنظومة الأمنية بعد أن لمسوا سرعة الاستجابة ودقة التعامل مع البلاغات.
بلغة الأرقام، هناك مناطق كانت تعانى اضطرابًا أمنيًا قبل عامين، أصبحت اليوم نموذجًا فى الانضباط بفضل التكنولوجيا والعيون الذكية التى لا تنام.
إشادة بالداخلية.. عقل حديث وإدارة واعية
الداخلية لم تكتف بشراء الأجهزة، بل وضعت خطة تطوير متكاملة تقوم على تدريب قبل تسليح وعنصر بشرى قبل الخوارزمية
الوزارة نجحت فى بناء منظومة أمنية متكاملة تجمع بين الفكر الإنسانى والذكاء الاصطناعى، مع سياسات دقيقة لحماية البيانات وضمان العدالة والشفافية فى استخدام التكنولوجيا.
الخبراء الأمنيون أشادوا بهذا التوجّه، معتبرين أنه نموذج عربى فريد للجمع بين الموروث الأمنى المصرى والتكنولوجيا الحديثة،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى