
لم تعد جرائم السوشيال ميديا مجرد تجاوزات أخلاقية عابرة أو “هزار إلكتروني” كما يحاول البعض تبريره، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لانتهاك الخصوصية، وتشويه السمعة، والابتزاز النفسي والمادي، في ظل سباق محموم نحو “التريند” لا يعترف بدستور ولا قانون ولا كرامة إنسان.
في زمن الهاتف الذكي، أصبح الضغط على زر “نشر” كفيلًا بتدمير حياة كاملة، ومع كل فيديو مسرب أو منشور مسيء، تتكشف خطورة الفوضى الرقمية التي تهدد السلم المجتمعي وتضرب القيم القانونية في مقتل.
الدستور حسمها.. الخصوصية حق لا يُمس
الدستور المصري كان واضحًا وصريحًا، حيث نصت المادة (57) على أن:
“للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تُمس، وللمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة.”
هذا النص الدستوري لا يترك مجالًا للاجتهاد أو التحايل، ويؤكد أن أي تصوير أو نشر أو تداول لمحتوى يخص الأفراد دون إذنهم هو جريمة مكتملة الأركان، مهما كانت نوايا الفاعل أو ادعاءاته.
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.. سيف القانون في مواجهة الفوضى
وجاء القانون رقم 175 لسنة 2018 الخاص بمكافحة جرائم تقنية المعلومات ليضع حدًا صارمًا لهذه الانتهاكات، حيث جرم بوضوح:
الاعتداء على القيم الأسرية
انتهاك حرمة الحياة الخاصة
نشر أو تداول صور ومقاطع دون رضا أصحابها
التشهير والإساءة باستخدام وسائل إلكترونية
وتنص مواد القانون على الحبس والغرامة التي قد تصل إلى 300 ألف جنيه، مع تشديد العقوبة حال تكرار الجريمة أو استخدامها في الابتزاز.
التشهير والابتزاز.. جريمة أخلاقية وقانونية
لم يعد التشهير مجرد سب وقذف تقليدي، بل تطور إلى حملات منظمة تستهدف الأفراد عبر:
صفحات مجهولة
حسابات وهمية
تسريبات مقاطع مفبركة أو مجتزأة
تهديدات مباشرة مقابل المال أو الصمت
وهو ما يضع مرتكبي هذه الجرائم تحت طائلة قانون العقوبات، خاصة المواد المتعلقة بالسب والقذف العلني، إذا تم عبر وسائل النشر أو المنصات الرقمية.
2616 قضية في قبضة الداخلية.. الدولة تتحرك
في رسالة حاسمة لا تقبل التأويل، نجحت وزارة الداخلية في ضبط 2616 قضية تشهير وإساءة سمعة وابتزاز إلكتروني خلال فترة وجيزة، في إطار استراتيجية أمنية شاملة تستهدف:
حماية الخصوصية الرقمية
ردع الخارجين عن القانون
ملاحقة الحسابات الوهمية
تتبع جرائم الابتزاز العابر للحدود
وهو ما يؤكد أن الدولة لا تقف موقف المتفرج، بل تتحرك بقوة لحماية المواطنين من إرهاب السوشيال ميديا.
التريند لا يعلو على القانون
الخطير في المشهد أن البعض بات يتعامل مع الخصوصية باعتبارها مادة استهلاكية للتريند، متناسيًا أن القانون لا يعترف بعدد المشاهدات ولا “اللايكات”، بل يحاسب على الفعل الإجرامي وحده.
وكل من يظن أن شاشة الهاتف تحميه من المساءلة، سيفاجأ بأن الجرائم الإلكترونية لا تسقط بالتقادم، وأن الأدلة الرقمية محفوظة وقابلة للتتبع.
كلمة أخيرة
الخصوصية ليست رفاهية، بل حق دستوري وخط أحمر، والتشهير ليس حرية رأي، بل جريمة يعاقب عليها القانون.
ومع استمرار الضربات الأمنية، تبقى الرسالة واضحة:
من ينتهك الخصوصية سيدفع الثمن.. مهما طال الزمن.







