عاجلفن

رباعية إسكندرية.. يوسف شاهين يحكي تاريخ مصر من خلال سيرته الذاتية

كتبت- رضوي السبكي

يعد المخرج المصري يوسف شاهين علامة فارقة في تاريخ الفن السابع، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، بل على مستوى العالم، حيث استطاع عبر مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن أن يعيد صياغة مفهوم السينما العربية ويحررها من القوالب التقليدية.

ولد شاهين في مدينة الإسكندرية عام 1926، تلك المدينة الكوزموبوليتانية التي شكلت وجدانه المنفتح على الثقافات المتعددة، مما انعكس بوضوح على لغته البصرية وأسلوبه السردي الذي مزج فيه بين المحلية والكونية. لم يكن شاهين مجرد مخرج ينفذ سيناريوهات، بل كان فيلسوفاً ومفكراً يستخدم الكاميرا كأداة للتمرد، والتساؤل، وكشف المسكوت عنه في السياسة، والمجتمع، والدين، مما جعله عرضة للكثير من الجدل والنقد، لكنه ظل صامداً أمام كل التحديات، مؤمناً بأن السينما هي “المرآة التي يجب أن يرى فيها المجتمع وجهه الحقيقي دون تجميل”.

النشأة والتعليم والبصمة الأولى في استوديو مصر

بدأت رحلة يوسف شاهين الفنية من داخل أروقة المدارس التبشيرية في الإسكندرية، ثم انتقل لدراسة الفنون الدرامية في معهد “باسادينا بلاي هاوس” بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما منحه أساساً أكاديمياً متيناً اختلف به عن مجايليه. عند عودته إلى مصر، بدأ مسيرته في العصر الذهبي للسينما المصرية، حيث قدم أول أفلامه “بابا أمين” عام 1950 وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ثم أتبعه بفيلم “ابن النيل” الذي شارك به في مهرجان كان السينمائي لأول مرة.

كانت هذه البدايات تشير إلى ولادة مخرج يمتلك رؤية مغايرة، حيث اهتم بتفاصيل الكادر واستخدام الإضاءة والموسيقى التصويرية كعناصر درامية فاعلة، مما مهد الطريق لظهور تيار “الواقعية الجديدة” التي كان شاهين أحد أبرز أعمدتها، محاولاً نقل معاناة الإنسان البسيط وهموم الطبقة المتوسطة إلى الشاشة الكبيرة بصدق فني منقطع النظير.

رباعية السيرة الذاتية واكتشاف الوجوه الجديدة

تعتبر “رباعية يوسف شاهين” التي تضم أفلام (إسكندرية ليه؟، حدوتة مصرية، إسكندرية كمان وكمان، وإسكندرية نيويورك) من أهم الأعمال في تاريخ السينما العالمية، حيث استطاع من خلالها أن يدمج سيرته الذاتية بتطورات المجتمع المصري والتحولات السياسية الكبرى. في هذه الأفلام، لم يحكِ شاهين قصة حياته فحسب، بل قدم تشريحاً دقيقاً للهوية المصرية وصراعها مع الغرب ومع الذات.

وبالتوازي مع هذا الإبداع الإخراجي، كان لشاهين فضل عظيم في اكتشاف مواهب فنية غيرت وجه التمثيل في مصر، وعلى رأسهم الفنان العالمي عمر الشريف الذي قدمه في فيلم “صراع في الوادي”، وكذلك الفنان نور الشريف، ومحسن محيي الدين، وخالد النبوي، وصولاً إلى هاني سلامة. كان شاهين يرى في الممثل “عجينة” يشكلها برؤيته الخاصة، وغالباً ما كان الممثلون في أفلامه يتبنون إيماءاته وطريقة حديثه، مما خلق مدرسة أداء عرفت بـ “المدرسة الشاهينية”.

السينما السياسية والصدام مع السلطة والرقابة

لم تكن سينما يوسف شاهين يوماً مهادنة أو بعيدة عن نبض الشارع السيادي، فقد قدم أعمالاً هزت وجدان السلطة والمجتمع، مثل فيلم “الأرض” الذي يعد من أفضل 100 فيلم في السينما المصرية، حيث جسد صراع الفلاح مع الإقطاع والتمسك بالأرض. كما قدم فيلم “العصفور” الذي تنبأ فيه بهزيمة 1967 وكشف الفساد الذي أدى إليها، وفيلم “المهاجر” الذي أثار أزمة قانونية ودينية كبرى، وصولاً إلى فيلمه الشهير “المصير” الذي حارب من خلاله الفكر المتطرف عبر قصة الفيلسوف ابن رشد.

كان شاهين يؤمن بأن “الفن موقف”، ولذلك كانت أفلامه دائماً تحمل رسائل مباشرة وغير مباشرة تدعو إلى إعمال العقل وحرية التعبير ورفض الظلم بكل أشكاله، وهو ما عرضه للمنع والملاحقة القضائية في بعض الأحيان، لكنه نال في المقابل احتراماً دولياً واسعاً توج بحصوله على جائزة “اليوبيل الذهبي” لمهرجان كان السينمائي عن مجمل أعماله عام 1997.

الإرث العالمي ليوسف شاهين والسينما كجسر للسلام

رحل يوسف شاهين في عام 2008، لكنه ترك خلفه مدرسة سينمائية متكاملة الأركان تتلمذ فيها مخرجون كبار مثل يسري نصر الله وخالد يوسف. لم تكن سينما شاهين مجرد ترفيه، بل كانت مشروعاً فكرياً يسعى لتجسير الهوة بين الشرق والغرب، وهو ما ظهر بوضوح في تعاوناته الإنتاجية مع فرنسا التي كانت تراه مخرجاً عالمياً ينتمي للثقافة الإنسانية الشاملة. إن يوسف شاهين هو الذي علمنا أن “نحب السينما كما نحب الحياة”، وأن الفن هو الطريق الوحيد للخلاص من القبح والجهل.

تظل أفلامه حتى اليوم مادة خصبة للدراسة في أكبر المعاهد السينمائية حول العالم، ويبقى اسمه محفوراً كواحد من العمالقة الذين جعلوا من الكلمة والصورة سلاحاً في وجه الظلام، ورسالة حب لا تنتهي للإسكندرية، ولمصر، وللإنسان في كل مكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى