عاجلمنوعات

“الكون كله مسبح لخالقه”.. رد قوي من الأوقاف على شبهة هل الرعد ملك من الملائكة؟

كتبت- فاطمة السبكي

يدعي بعض المشككين وجود تناقض صارخ بين الحقائق العلمية الثابتة وما ورد في النصوص الإسلامية بشأن  ظاهرة الرعد، إذ يقرر العلم الحديث أن الرعد ناتج فيزيائي عن تمدد الهواء المفاجئ بسبب البرق الحادث من تصادم السحابات المشحونة، بينما تذكر الأحاديث النبوية – حسب زعمهم – أن الرعد هو “مَلَكٌ من ملائكة الله” وتذكر الآيات أنه يسبح بحمد ربه، فكيف يكون الصوت الناتج عن تفريغ كهربائي ملاكًا عاقلًا يسبح، وهذا بزعمهم دليل على عدم علمية النصوص الدينية واعتمادها على أساطير القدماء بدلًا من التفسير المادي للظواهر الكونية، وهو ماردت عليه وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية وذلك على النحو التالي:

 

أولًا: تصحيح الفهم للنص النبوي:

إن منشأ الإشكال لدى المعترض هو الخلط بين “الموكَّل” و”الموكَّل به”، فالأحاديث النبوية حين تُفهم في سياقها الصحيح تبين أن للرعد مَلَكًا يسوق السحاب ويدبر أمره بإذن الله وليس أن الظاهرة الجوية ذاتها هي المَلَك، وهناك فرقٌ جوهريٌ بين القول بأن “الرعد مَلَكٌ” وبين القول بأن “للرعد مَلَكًا” يدبره، فالملائكة “المدبرات أمرًا” موكلة بتصريف الظواهر الكونية التي تجري وفق سنن فيزيائية دقيقة وضعها الخالق، فلا تعارض بين كون الرعد ظاهرة كهربائية وبين وجود قوة غيبية (مَلَك) مكلفة بتنفيذ الأمر الإلهي في هذا الكون.

 

ثانيًا: تسبيح الكون في الكتب المقدسة:

إن إنكار المعترض لتسبيح الرعد يدل على جهلٍ مطبقٍ بما في الكتب السماوية التي يقر بها، فالتسبيح العام للكائنات حقيقةٌ نصيةٌ ثابتةٌ في التوراة والزبور والإنجيل، ففي [مزمور ٦٩: ٣٤] جاء النص: “تسبحه السماوات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها”، وفي [مزمور ١٤٨] تفصيلٌ مذهلٌ لهذا التسبيح يشمل الظواهر الطبيعية إذ يقول: “سبحيه يا أيتها الشمس والقمر، سبحيه يا جميع كواكب النور… سبحي الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج، النار والبرد، الثلج والضباب، الريح العاصفة كلمته”، فإذا كان الكتاب المقدس يقرر أن الضباب والريح والنار تسبح الله وتنفذ كلمته فكيف يُستنكر على القرآن والسنة إثبات تسبيح الرعد! بل إن [مزمور ١٠٢: ١٨] يشير إلى أمة محمد ﷺ بقوله: “شعب سوف يُخلق يسبح الرب”.

 

ثالثًا: التسبيح دلالة العبودية لا الألوهية:

ومن الأدلة العقلية والنقلية التي تدحض الشبهة أن التسبيح فعل العبد الخاضع وليس فعل الإله، فالأناجيل تذكر أن المسيح عليه السلام كان يسبح الله، ففي [لوقا ١٩: ٣٧] و[لوقا ٢: ٢٠] ذكرٌ لتسبيح الملائكة والناس لله، وفي [مرقس ١٤: ٢٦] و[متى ٢٦: ٣٠] نصٌ صريحٌ يقول عن المسيح والحواريين: “ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون”، فمن يسبح الله لا يكون إلهًا بل عبدًا، وهذا يوافق ما جاء في القرآن الكريم ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ [الأعلى: ١]، فالكون كله من سحابٍ ورياحٍ ورعدٍ خاضعٌ لقوانين الله ومسبحٌ له، وقد جمع القرآن بين الوصف الغيبي والوصف الفيزيائي الدقيق كما في قوله تعالى: ﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّیَٰحَ لَوَٰقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وهو ما يتوافق مع ما جاء في الزبور: “المصعد السحاب من أقاصي الأرض، الصانع بروقًا للمطر”، فالذي خلق الناموس الكوني هو الذي أخبرنا عن انقياد هذا الكون له بالتسبيح.

 

وانتهت  الأوقاف بالتأكيد على تكامل النظرة الشرعية مع الاكتشافات العلمية ولا تتصادم، فالكون كله مسبحٌ لخالقه خاضعٌ لأمره سواء أدرك الإنسان كيفية هذا التسبيح أم لم يدركه، والنصوص المقدسة في الإسلام والديانات السابقة متطابقة في إثبات هذه الحقيقة الإيمانية مع الإقرار بالأسباب المادية للظواهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى