
تعد الخيول من أكثر الكائنات الحية التي تثير دهشة العلماء والباحثين في سلوك الحيوان، خاصة فيما يتعلق بطقوس نومها الفريدة التي تميزها عن معظم الثدييات الكبيرة.
فبينما يحتاج الإنسان والعديد من الحيوانات إلى الاستلقاء الكامل للاسترخاء، تمتلك الخيول قدرة بيولوجية مذهلة تمكنها من غلق عينيها والدخول في حالة من النوم وهي واقفة على أطرافها الأربعة.
هذه السمة ليست مجرد عادة عشوائية، بل هي نتاج تطور عضلي وهيكلي معقد سمح لهذا الحيوان بالبقاء في وضعية الاستعداد الدائم، مما يجعله واحداً من أكثر الحيوانات تكيفاً مع بيئته، سواء في الإسطبلات الحديثة أو في البراري الشاسعة، حيث تلعب هذه الوضعية دوراً حاسماً في الحفاظ على حياته وتوفير طاقته البدنية.
الأسباب الدفاعية والبيولوجية خلف نوم الخيول في وضع الوقوف
تتعدد الأسباب التي تجعل الخيول تفضل وضعية الوقوف أثناء النوم، ويأتي في مقدمتها الغريزة الدفاعية الفطرية للهروب من المفترسات؛ ففي البرية، يمنح الوقوف الحصان ميزة الانطلاق الفوري والركض بسرعة قصوى عند الشعور بأي خطر، بينما تجعله وضعية الاستلقاء هدفاً سهلاً وعرضة للهجوم نتيجة الوقت الذي يستغرقه في النهوض.
بالإضافة إلى ذلك، يشكل وزن الحصان الكبير، الذي قد يتجاوز حاجز 450 كجم، عائقاً كبيراً عند الرغبة في النهوض من الأرض، حيث تستنزف هذه العملية قدراً هائلاً من طاقته، خاصة إذا كانت الأرضية غير مستقرة أو زلقة، مما يدفع الحصان لاختيار الوقوف لتجنب الإجهاد غير المبرر للمفاصل والركبتين والحفاظ على كفاءته البدنية لفترات أطول.
نظام “القفل المتبادل”: المعجزة التشريحية لأرجل الخيول
السر الحقيقي وراء قدرة الخيول على النوم واقفة دون السقوط يكمن في تكوينها التشريحي المذهل المعروف بـ “نظام القفل” (Stay Apparatus) في أرجلها الخلفية.
هذا النظام عبارة عن ترتيب فريد من الأوتار والأربطة التي تسمح للحصان بإرخاء عضلاته تماماً وتثبيت مفاصل الساقين في وضعية مستقرة تشبه القفل الآلي.
وبفضل هذا التكوين، يستطيع الحصان توزيع ثقله على ثلاثة أطراف بينما يريح الطرف الرابع، ثم يبدل بينها بشكل دوري، مما يتيح له النوم والراحة دون بذل أي مجهود عضلي يُذكر، وهو ما يفسر عدم تعرضه للتعب أو الانهيار حتى لو ظل واقفاً لعدة ساعات متواصلة خلال اليوم.
أنماط النوم عند الخيول ومراحل النوم العميق “REM”
لا تتبع الخيول نمط النوم المتصل كالبشر، بل تقسم ساعات راحتها إلى قيلولات قصيرة موزعة على مدار اليوم، وتتراوح مدة كل قيلولة ما بين 10 إلى 30 دقيقة. ومع ذلك، يوضح الخبراء أن الخيول لا تستطيع الوصول إلى مرحلة “النوم العميق” أو ما يعرف بحركة العين السريعة (REM) وهي واقفة؛ حيث تتطلب هذه المرحلة ارتخاءً كاملاً للعضلات لا يتحقق إلا بالاستلقاء على الأرض.
لذا، يضطر الحصان للاستلقاء لفترات وجيزة جداً عندما يشعر بالأمان التام، وغالباً ما يحدث ذلك داخل الإسطبل أو في وجود القطيع الذي يقوم بعض أفراده بدور “الحراسة” بينما ينام الآخرون بعمق، ليصل إجمالي عدد ساعات نوم الحصان اليومية إلى ما بين 3 إلى 5 ساعات فقط.
العوامل المؤثرة على جودة نوم الخيل ومدى شعورها بالأمان
تتأثر جودة نوم الخيول بشكل مباشر بالبيئة المحيطة والظروف المناخية؛ فالخيول حيوانات اجتماعية جداً، ويعد شعورها بوجود “القطيع” حولها عاملاً أساسياً يسمح لها بالاستلقاء والنوم بعمق. وفي عام 2026، تشدد توصيات الطب البيطري الحديثة على ضرورة توفير مساحات كافية وآمنة في الإسطبلات تسمح للخيول بالاستلقاء المريح، لأن الحرمان من النوم العميق قد يؤدي إلى مشاكل سلوكية وصحية للحصان. إن فهمنا لهذه الخصائص الفريدة لا يساعدنا فقط في تقدير عظمة هذا الكائن، بل يساهم في تحسين طرق رعايته وتوفير البيئة المثالية التي توازن بين غريزته في الوقوف وحاجته البيولوجية للاسترخاء التام.






