في قلب طهران، حيث تلتقي الشوارع الصاخبة بالجبال المحيطة، كان عميل إيراني للموساد، عرف بالاسم المستعار “أرش”، يقود فريقا سريا في مهمة تجسسية استثنائية، انتهت بتعطيل البرنامج النووي الإيراني وفق تقرير نشرته جريدة “تايمز أوف إسرائيل” في 30 يناير 2026.
ربما بدت القصة محاولة إسرائيلية لإيهام العالم بقدرتها على نجاح الموساد في اختراق الدوائر الإيرانية المهمة؛ لكن الواقع يؤكد أن الموساد اخترق بالفعل مساحات واسعة من تلك الدوائر؛ ففي يوم واحد فقط، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية، أمس الخميس 26 مارس 2026، إلقاء القبض على 14 إيرانيا في أربع محافظات إيرانية لاتهامهم بالتجسس لصالح أجهزة استخبارات أمريكية وإسرائيلية، والعمل لصالح “تنظيمات إرهابية”.
وبحسب البيان الإيراني، فإن عمليات القبض طالت محافظتي كرمانشاه والبرز في غرب إيران، ومحافظة فارس في الجنوب، ومحافظة كرمان الواقعة شرق إيران.
وضمت الخلية التي ألقي القبض عليها في محافظة كرمانشاه أربعة أشخاص، بينهم قائد المجموعة؛ حيث ضبطت معهم كميات من القنابل اليدوية الصنع، ومواد تدخل في صناعة المتفجرات، ثلاثة أجهزة “ستارلينك”؛ وكانت تدار من قبل شخص مقيم في ألمانيا، وكانت تخطط لاستهداف مراكز حكومية وإعلامية في المحافظة.
أما في محافظة البرز، فضمت الخلية خمسة أشخاص؛ اثنان منهم بتهمة الانتماء لـ”تنظيم إرهابي” قبل تنفيذ أي نشاط، فيما اتهم الثلاثة الآخرون بجمع معلومات وتصوير مواقع عسكرية وحساسة لإرسالها إلى جهات خارجية.
وبحسب الاستخبارات الإيرانية، جرى القبض على أربعة أشخاص في محافظة كرمان، لارتباطهم بمركز إعلامي تابع لإسرائيل” (في إشارة إلى قناة إيران إنترناشيونال). واتهمتهم بإرسال إحداثيات ومواقع تابعة للقوات العسكرية والأمنية إلى “صحفيين-جواسيس” يعملون في تلك القناة.
وفي محافظة فارس، أعلنت الاستخبارات الإيرانية القبض على شخص واحد بتهمة جمع معلومات حول مواقع مصافي النفط في البلاد وتقييم قدراتها الإنتاجية، وإرسال هذه البيانات وإحداثياتها إلى جهات أمريكية وإسرائيلية بهدف “استهداف البنية التحتية الحيوية” في إيران.
القبض على عشرات الجواسيس منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية
ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاستخبارات الإيرانية القبض على عشرات الجواسيس الإيرانيين الذين جندهم الموساد، ومنهم 45 في محافظتي قزوين وأذربيجان الغربية بتاريخ 20 مارس، و57 عميلا في البرز بتاريخ 18 مارس، و30 شخصا بتاريخ 10 مارس، مع توقعات بالكشف عن مزيد من العملاء.
على مدى أكثر من عامين، كانت طهران على موعد مع سلسلة من عمليات القبض على من تصفهم بـ”خلايا تجسس”، على خلفية عمليات الاغتيال التي طالت شخصيات بارزة داخل إيران (في القلب منهم المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي وقائد الحرس الثوري الإيراني السابق محمد باكبور وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني) في الحرب الإيرانية الحالية، إضافة إلى شخصيات خارجية بارزة في مقدمتهم أمين عام حزب الله حسن نصر الله الذي اغتيل في 27 سبتمبر 2024، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، والذي اغتيل في 31 يوليو 2024 داخل مجمع مغلق للحرس الثوري شمالي طهران يعرف باسم “نشأت”؛ وذلك بعد سنوات تنقل خلالها هنية بين الدوحة وإسطنبول وموسكو –وحتى غزة ذاتها- دون أن يتمكن الموساد من اغتياله.
وسائل إعلام إسرائيلية تكشف جزءا من تجنيد عملاء الموساد في إيرن
بالعودة إلى تقرير “تايمز أوف إسرائيل”، يقول العميل الإيراني “أرش”، والبالغ من العمر 40 عاما، إنه نشأ في إيران، لكنه شعر منذ المدرسة بعدم الراحة مع النظام الإيراني خاصة بعد تعرض شقيقته لمضايقات لرفضها ارتداء الحجاب، ما دفع أسرته –لاحق- لمغادرة إيران؛ لكنه ظل حريصا على دعم أصدقائه الذين بقوا في إيران، حتى جاء اليوم الذي قرر فيه، بعفوية، البحث عن الموساد على الإنترنت. وأرسل رسالة للوكالة، وانتظر، ليتم الاتصال به خلال أيام قليلة. وفي عام 2015، أصبح عميلا رسميا، وخضع لتدريبات خارج إيران.
ومع اقتراب يونيو 2025، جرى إرسال أرش إلى إيران ليقود فريقا في عملية داخلية استهدفت تعطيل البرنامج النووي الإيراني؛ حيث كان الفريق مكلفا بنقل صاروخ وقاذفة إلى موقع محدد داخل طهران، وانتظروا في الظلام ساعتين قبل أن تصل الأوامر، وفق “تايمز أوف إسرائيل”.
وعند الثالثة صباحا، ضغط أرش زر الإطلاق؛ حيث كان الصاروخ مزودا بكاميرا، أتاح له رؤية الهدف في اللحظات الأخيرة؛ وبعد نجاح المهمة، انسحب الفريق إلى شقة للاختباء.
وفي السياق، تشير التقارير الإعلانية الإسرائيلية إلى أن ضابط الموساد دافيد برنياع توصل إلى إقناعة بأن اختراق إيران أمنيا يحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد، لكنه ليس بالأمر الصعب؛ مشددا على أن “النظام الإيراني أدار سياسة قمع وبطش وعنف تسببت في خلق مجموعات كبيرة من الأعداء له”؛ وبالفعل بدأ “فرع الموساد في طهران” في استخدام الوسائل التكنولوجية والذكاء الاصطناعي. ونشر نشاطه على أماكن عدة في أرجاء إيران كي لا يقتصر عمله على طهران؛ وأسس ما سمي بـ”جيش الدراجات النارية”، الذي ضم عملاء في الموساد ينفذون عمليات تفجير عن طريق إلصاق قنابل على السيارات المستهدفة، و”قافلة الشاحنات” التي كانت تطلق صواريخ وطائرات مسيرة لاغتيال شخصيات إيرانية من داخل إيران وغيرها، بحسب جريدة “مكور ريشون” الإسرائيلية.
الجنس بوابة التجنيد والقتل عقيدة للبقاء
وتنقل وسائل إعلام إسرائيلية عن أحد عملاء الموساد في إيران قوله: “تعلمنا أنه لا يوجد مشاهد برئ في موضع يحدث فيه إطلاق النار، فالمشاهد سيرى موتك وموت شخص آخر؛ والفكرة هنا تقوم على البقاء وأن تنسى كل ما كنت قد سمعته عن العدل، ففي هذه المواقف إما أن تكون قاتلا أو مقتولا”.
وبحسب التقارير الإعلامية الإسرائيلية، تلعب سيكولوجيا الجنس دورا مهما في عمليات التجنيد التي ينفذها الموساد؛ حيث يعد استخدام النساء أمرا شائعا تجيده المخابرات الإسرائيلية؛ وفي مبنى قيادة الموساد هناك ما يسمى بــ”الحجرة الصامتة”، وهى أماكن مخصصة لممارسة الشذوذ والجنس؛ ولا يخلو الأمر من الاستعانة بالتكنولوجيا المتقدمة للإيقاع بعملاء جدد لصالح الموساد، حتى دون السقوط في المستنقع الجنسي؛ من خلال عملية التلاعب بـ”الأفخاخ الجنسية” والصور المزيفة، بهدف ممارسة العمليات الابتزازية والنفسية ضد من يجري تجنيدهم.
“تسوميت” تتولى تدريب العملاء الإيرانيين لدى الموساد
يعد تجنيد العملاء داخل إيران أحد أهم أدوات الموساد في تنفيذ عمليات الاغتيال؛ وهو ما عبر عنه رئيس الموساد الأسبق يوسي كوهين قائلا: الموساد باتت له أعين يرى بها وأذن يسمع منها ما يجري في إيران.
وتشرف على عمليات تجنيد العملاء الإيرانيين شعبة “تسوميت” المختصة بتدريب ضباط المخابرات الإسرائيلية، الذين يجمعون المعلومات الاستخبارية على الأرض، بحسب تقرير صادر عن موقع “إنتلجنس أونلاين” الفرنسي.
وصرح وزير الأمن الإيراني الأسبق محمود علوي بأن منفذ عملية اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زاده كان عضوا في الحرس الثوري الإيراني.
اعتقال قادة في الحرس الثوري الإيراني
وخلال تلك العمليات كان عملاء إيران الذي جندهم الموساد عنصرا فاعلا؛ حيث جرى اعتقال قادة في الحرس الثوري الإيراني وضباط مخابرات في 2013، بتهمة التجسس لصالح الموساد، وكان أحد المتهمين الضابط المسؤول عن مكافحة التجسس ضد إسرائيل في وزارة الأمن الإيرانية، وهو ما أقر به الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وفي يونيو عام 2021.
ومد نجاد خيوط اتهاماته على استقامتها، مشيرا إلى أن عميلا إيرانيا زود الموساد بمعلومات استخباراتية حاسمة أدت إلى اغتيال الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصر الله؛ فيما ذكرت بحسب جريدة “ذا تليجراف” البريطانية، أن الموساد جند 3 عملاء إيرانيين لزرع المتفجرات في 3 غرف مختلفة، خلال عملية اغتيال هنية.
عناصر جماعة مجاهدي خلق
يبرز الواقع السياسي كأحد آليات الموساد لتجنيد العملاء؛ حيث أدت عمليات القمع السياسي التي يمارسها النظام الإيراني ضد الجماعات المناوئة له أداة جذب لضباط الموساد؛ ومنها ما أعلنته طهران في مايو 2012 حول اعتقال ثمانية إيرانيين وستة إيرانيات من عناصر “مجاهدي خلق” لتورطهم في عمليات اغتيال طالت علماء نوويين وقادة عسكريين.
وبحسب ما أعلنته طهران آنذاك، فقد تلقت تلك العناصر تدريبا لمدة 54 يوما على يد ضباط الموساد الإسرائيلي، وجرى تجنيدهم مقابل الحصول على 120 ألف دولار وفق مركز “شاف”.
الفيديو المرفق يوضح حملة أطلقتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لدعوة الشعب الإيراني إلى التواصل معها والإدلاء بأي معلومات قد تكون لديه حول الحرس الثوري وقادة النظام، كجزء من مخططات إسرائيلية لتجنيد العملاء.







