
في لحظة دقيقة من مسار الاقتصاد المصري، تأتي متابعة عبد الفتاح السيسي لرؤية الدولة بشأن مرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، لتؤكد أن ما جرى لم يكن نهاية برنامج، بل بداية مرحلة أكثر عمقًا، عنوانها الواضح: “المواطن أولًا”.
لقد خاضت الدولة واحدة من أصعب جولات الإصلاح الاقتصادي، تحملت خلالها كلفة قرارات قاسية فرضتها ظروف داخلية وضغوط عالمية غير مسبوقة. لكن ما يميز هذه المرحلة الجديدة هو التحول من منطق “تحمل الأعباء” إلى فلسفة “جني العوائد”، حيث لم يعد مقبولًا أن يبقى المواطن خارج دائرة الاستفادة.
تحسين معيشة المواطن لم يعد بندًا ضمن خطة، بل أصبح محورًا تدور حوله كل السياسات. فالمواطن الذي صبر، ينتظر أن يرى أثر هذا الصبر في تفاصيل حياته اليومية: أسعار أكثر استقرارًا، فرص عمل حقيقية، وخدمات تليق بتضحياته. وهنا يصبح النجاح الحقيقي ليس في تحقيق أرقام نمو، بل في تحقيق شعور عام بالتحسن.
وفي هذا السياق، يبرز استقرار الأسواق كركيزة أساسية لا غنى عنها. فالسوق المنضبط هو الضامن الأول لحماية المواطن من التقلبات العشوائية، وهو أيضًا البيئة التي تسمح للاقتصاد بالنمو بشكل صحي. الدولة تدرك أن أي إنجاز اقتصادي يمكن أن يتآكل إذا تُركت الأسواق للفوضى أو للممارسات الاحتكارية، ومن ثم فإن الرقابة الصارمة لم تعد خيارًا، بل ضرورة.
أما تأمين مخزون استراتيجي من السلع، فهو تعبير واضح عن عقلية إدارة الأزمات قبل وقوعها. العالم يعيش حالة من عدم اليقين، وسلاسل الإمداد لم تعد مستقرة كما كانت. ومن هنا، فإن امتلاك احتياطي آمن من السلع الأساسية يمثل خط دفاع حقيقي، يحمي المواطن من أي صدمات مفاجئة، ويضمن استقرار السوق في أحلك الظروف.
لكن الرؤية لا تتوقف عند إدارة الحاضر، بل تمتد إلى بناء المستقبل، وهنا يأتي الحديث عن تطوير بيئة ريادة الأعمال كأحد أهم محاور المرحلة القادمة. فالدولة التي تفتح المجال أمام الشباب ليبدعوا ويؤسسوا مشروعاتهم، هي دولة تراهن على طاقتها الحقيقية. دعم الشركات الناشئة، تبسيط الإجراءات، توفير التمويل، وتحفيز الابتكار، كلها عناصر أساسية لبناء اقتصاد مرن قادر على المنافسة.
إن ما يقوم به الرئيس السيسي في هذه المرحلة ليس مجرد متابعة لملف اقتصادي، بل إعادة صياغة لأولويات الدولة. فبعد سنوات من الإصلاحات الهيكلية، أصبح التركيز الآن على تعظيم العائد الاجتماعي، وتحويل الإنجازات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن.
ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر لا يزال قائمًا. فنجاح هذه الرؤية يتطلب تنفيذًا دقيقًا، وحسمًا في مواجهة أي انحرافات، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص. كما يتطلب استمرار الإصلاح، ولكن بروح جديدة تضع الإنسان في قلب المعادلة.
في النهاية، فإن ما بعد صندوق النقد ليس مجرد مرحلة انتقالية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين قوة الاقتصاد وعدالة التوزيع.
إنها لحظة إعادة ترتيب…
إما أن تترجم إلى حياة أفضل،
أو تبقى مجرد وعود مؤجلة.







