عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: ميزان العدالة بين الردع والرحمة بلا تهاون

لم يعد الحديث عن الخدمة العامة كبديل للحبس الاحتياطي ترفًا قانونيًا أو طرحًا نظريًا، بل أصبح ضرورة تشريعية وعدلية فرضتها وقائع على الأرض، كشفت أن الحبس الاحتياطي في بعض الحالات خرج عن كونه إجراءً تحفظيًا، ليقترب من عقوبة مسبقة تُنفذ قبل صدور حكم نهائي، في تعارض صريح مع جوهر العدالة ومبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.

الحبس الاحتياطي.. حين يتحول الاستثناء إلى عبء

الأصل في الحبس الاحتياطي أنه استثناء ضيق، لا يُلجأ إليه إلا إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، كخشية الهروب أو العبث بالأدلة أو تهديد الشهود. لكن التوسع غير المحسوب خلق واقعًا قاسيًا:

متهمون بلا أحكام، أسر تتضرر، وظائف تُفقد، وسمعة اجتماعية تُهدر، ثم قد تنتهي القضية بالبراءة بعد أن يكون الثمن قد دُفع كاملًا.

الخدمة العامة.. بديل صارم لا يعرف المجاملة

الخدمة العامة ليست إفراجًا مقنعًا ولا بابًا خلفيًا للتهرب من القانون، بل التزام قانوني مُرهق ومنضبط، يضع المتهم تحت الرقابة، ويُحمّله مسؤولية مباشرة تجاه المجتمع.

وحتى لا تتحول هذه الآلية إلى ثغرة، وضع القانون لها شروطًا قاطعة لا تقبل التأويل:

أولًا: نوع الجريمة

لا خدمة عامة في:

الجنايات

قضايا الإرهاب أو أمن الدولة

جرائم العنف الجسيم

السلاح والمخدرات والاتجار المنظم

التطبيق يقتصر فقط على جنح محدودة غير جسيمة.

ثانيًا: تقييم الخطورة

يشترط أن تُثبت التحريات أن المتهم:

غير معتاد إجرام

لا يمثل خطورة على الأمن العام

لا يُخشى من هروبه أو تأثيره على التحقيق

ثالثًا: قرار قضائي مُحكم

لا يُترك الأمر للاجتهاد أو المجاملة.

البديل لا يُطبق إلا بـ:

قرار قضائي مسبب

تحديد دقيق لمدة الخدمة

بيان واضح لطبيعة العمل المكلف به

رابعًا: القبول الصريح

الخدمة العامة لا تُفرض بالقوة، بل تتطلب موافقة المتهم، لأنه سيخضع لالتزام فعلي يخضع للمساءلة.

خامسًا: رقابة لا تعرف التساهل

التنفيذ يتم تحت إشراف جهة رسمية، مع:

سجلات حضور وانصراف

تقارير دورية

إخطار فوري بأي مخالفة

وأي إخلال، مهما كان بسيطًا، يُسقط البديل فورًا ويُعاد الحبس الاحتياطي دون تردد.

ردع المجتمع دون كسر الإنسان

أنصار هذا التوجه يرون أنه:

يحفظ هيبة القانون

يمنع تكدس أماكن الاحتجاز

يحقق نفعًا عامًا حقيقيًا

يمنح المتهم فرصة للإصلاح دون إفلات

لكن بشرط واحد لا يقبل النقاش:

التطبيق بيد القضاء فقط، وبميزان من حديد.

الخلاصة

الخدمة العامة ليست رحمة مطلقة، وليست قسوة بديلة، بل أداة عدالة ذكية، إذا استُخدمت في موضعها كانت إنصافًا، وإذا أسيء استخدامها أصبحت خطرًا.

العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد المحبوسين،

بل بقدرتها على حماية المجتمع دون سحق الأبرياء،

وبهذا الميزان فقط تُبنى دولة القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى