عاجلفن

فيديو «عارف أنا أبقى مين».. إسفاف فجّ.. كلمات منحطة.. واستعراض رخيص يضرب الذوق العام في مقتل وسط صمت مخزٍ

كتب: محمود صابر

لم يعد ما تشهده الساحة الفنية مجرد تراجع في المستوى، بل انهيار أخلاقي وفني شامل، تتساقط فيه آخر أوراق الخجل، وتُداس فيه كل القيم تحت أقدام التريند والمشاهدات. أحدث هذه النماذج الصادمة تمثل في فيديو متداول لمطربة تُدعى ميار الصباح، ظهرت فيه وهي تؤدي ما يُسمّى – زورًا وبهتانًا – أغنية بعنوان «عارف أنا أبقى مين»، في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه فضيحة فنية مكتملة الأركان، وإهانة مباشرة لكل ما يُسمّى فنًا.

انحدار بلا سقف

الفيديو لم يحمل أي ملامح للغناء أو الموسيقى أو حتى الحد الأدنى من الأداء، بل جاء محمّلًا بكلمات سوقية منحطة، يرددها شخص لا دور له سوى استكمال مشهد الابتذال، من بينها عبارة: «تفاحة يا ولاد دي ميار يا ولاد»، وهي جملة أثارت اشمئزازًا واسعًا لما تحمله من إيحاءات فجّة تخدش الحياء العام وتكسر كل الخطوط الحمراء.

هذا المشهد لم يكن عفويًا أو عابرًا، بل بدا مُتعمدًا ومقصودًا، قائمًا على الصدمة الرخيصة، واستفزاز المجتمع، وتحويل الإسفاف إلى وسيلة جذب، في تحدٍ سافر لكل القيم والمعايير.

 

لا صوت.. لا موهبة.. فقط جسد

أما على مستوى الأداء، فقد بدا واضحًا أن ما يُقدَّم لا علاقة له بالغناء من قريب أو بعيد؛ لا صوت، لا لحن، لا إحساس، لا رسالة. فقط استعراض فجّ، وحركات مبتذلة، وملابس موحية، في محاولة بائسة لتعويض الغياب الكامل للموهبة، واستبدال الفن بالإثارة، والإبداع بالإغراء، والرسالة بالابتذال.

ويرى نقاد أن هذا النموذج يُمثّل أخطر مراحل الانحدار الفني، حيث يتم الترويج لفكرة أن الشهرة لا تحتاج موهبة أو تدريب أو احترام للجمهور، بل فقط جرأة رخيصة وتجاوزات أخلاقية.

 

جريمة ثقافية تُرتكب على الهواء

ما قُدِّم في هذا الفيديو لا يمكن التعامل معه كـ«ذوق مختلف» أو «لون فني جديد»، بل هو اعتداء صارخ على الذوق العام، وتشويه متعمد للوعي الجمعي، وجريمة ثقافية تُرتكب علنًا، في ظل غياب شبه كامل للرقابة، وصمت مريب من الجهات المعنية.

الغضب الشعبي لم يأتِ من فراغ، بل من إحساس عام بأن الساحة تُترك عمدًا لكل من يريد العبث بالعقول، وضرب القيم، وتطبيع الإسفاف، دون أي محاسبة أو ردع.

أين النقابات؟ وأين الدولة؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:

أين نقابة المهن الموسيقية؟

أين المصنفات الفنية؟

وأين الدور الرقابي في مواجهة هذا المستنقع الذي يتسع يومًا بعد يوم؟

إن استمرار هذا الصمت لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تقصيرًا جسيمًا، وربما تواطؤًا غير مباشر، يفتح الباب أمام مزيد من النماذج المشوهة التي تتخذ من الابتذال مهنة، ومن الإسفاف رسالة.

 

الإسفاف كظاهرة.. لا كحالة فردية

قضية ميار الصباح ليست حالة منفردة، بل عرض لمرض أخطر ينهش جسد الفن، حيث تحولت بعض المنصات إلى مسارح مفتوحة للتفاهة، وتحوّل الغناء من رسالة إلى سلعة رخيصة، ومن فن إلى أداة لاستفزاز الغرائز وتحقيق الأرباح.

السكوت عن هذه النماذج يعني التخلي عن معركة الوعي، وترك الأجيال الجديدة فريسة لمحتوى هابط يُفرغ الفن من مضمونه، ويُعيد تشكيل الذوق العام على أسس منحرفة.

 

مطالب حاسمة بلا تراجع

المطلوب اليوم ليس بيانات خجولة أو تبريرات واهية، بل مواقف حاسمة وإجراءات رادعة:

محاسبة كل من يشارك في إنتاج أو ترويج هذا النوع من المحتوى.

تفعيل دور النقابات والرقابة دون استثناءات أو مجاملات.

وضع حد نهائي لفوضى «أي شيء من أجل التريند».

 

الخلاصة الصادمة

ما يحدث الآن هو سقوط حر للفن في بئر الإسفاف، وإذا لم يتم إيقاف هذا النزيف، فإن القادم أخطر، والهابط سيصبح هو القاعدة، والموهبة هي الاستثناء.

فهل يتحرك المسؤولون قبل فوات الأوان؟

أم يُترك الذوق العام ينهار تحت لافتة كاذبة اسمها الفن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى