
ليست كل الجرائم تُرتكب بسكين، ولا كل الدماء تُرى بالعين. هناك جريمة صامتة تُرتكب كل يوم داخل بيوت يفترض أنها قامت على المودة والرحمة. جريمة اسمها “الخرس الزوجي”. لا ضجيج فيها، ولا بلاغات في أقسام الشرطة، لكنها تفتك بالقلوب ببطء أشد قسوة من أي اعتداء صريح.
في أروقة محاكم الأسرة، لا تقف نساء يبحثن عن انتقام، بل عن نجاة. وجوه شاحبة، أعين أنهكها السهر والبكاء، وقصص تبدأ دائمًا بجملة واحدة: “أنا مش حاسة إني متجوزة… عايشة مع خيال، بموت من الوحدة وهو جنبي”.
أي قسوة هذه التي تجعل امرأة تشعر باليُتم وزوجها على بُعد خطوات؟
أي برود هذا الذي يحوّل فراشًا واحدًا إلى قارتين منفصلتين؟
الخرس الزوجي ليس طبعًا هادئًا كما يروّج البعض، بل هو هروب وجبن عاطفي. رجل يختبئ خلف شاشة هاتفه، أو خلف إرهاق العمل، أو خلف صمته المتعالي، تاركًا زوجته تواجه فراغًا عاطفيًا قاتلًا. لا كلمة طيبة، لا اهتمام، لا نقاش، لا حتى خلاف صحي يثبت أن هناك نبضًا في العلاقة. مجرد جدار صلد لا يرد ولا يشعر.
البيوت لا تنهار فجأة، بل تتآكل. يبدأ الأمر بتجاهل بسيط، ثم تتراكم الأيام بلا حديث، ثم يتحول الصمت إلى عادة، والعادة إلى قطيعة، والقطيعة إلى غربة كاملة. ومع الوقت، تتحول الزوجة إلى موظفة منزلية تؤدي مهامها بصمت، بينما روحها تُسحق تحت وطأة الإهمال.
المؤلم أن المجتمع كثيرًا ما يُدين المرأة إن طلبت الطلاق بسبب “البرود”. يسخرون: “هو بيضربك؟ هو بيخونك؟ أمال عايزة إيه؟”. وكأن الكرامة العاطفية رفاهية، وكأن الشعور بالاحتواء ترف لا تستحقه الزوجة.
الحقيقة أن التجاهل المتعمد نوع من العنف النفسي.
والصمت الطويل شكل من أشكال العقاب غير المعلن.
والحرمان من الحوار إعدام بطيء لمشاعر إنسان.
بعض الرجال يظنون أن الإنفاق وحده يكفي، وأن توفير المسكن والطعام يسقط عنهم باقي الواجبات. لكن الزواج ليس صفقة تموين، بل شراكة روح. والمرأة لا تتغذى بالمال فقط، بل بالكلمة، بالنظرة، بالشعور أنها مرئية ومسموعة ومقدَّرة.
حين تصل المرأة إلى باب محكمة الأسرة، فهي لم تستيقظ فجأة لتطلب الهدم. هي طرقت باب الحوار مئات المرات، حاولت، تنازلت، بكت في صمت، ابتلعت الإهانات غير المنطوقة، قاومت شعور العزلة وهي داخل بيتها. لكن حين يصبح البيت سجنًا باردًا، يصبح الخروج ضرورة لا خيارًا.
الخرس الزوجي يذبح الأحلام دون أن يترك دماء. يقتل فكرة “الونس”، ينسف معنى “الشريك”، ويحوّل الحياة إلى إقامة إجبارية بين شخصين تجمعهما الأوراق فقط. ومع كل يوم صمت، يسقط حجر جديد من جدار الثقة، حتى لا يبقى إلا الركام.
الرسالة هنا واضحة وصادمة:
الرجولة ليست في الصمت، ولا في التجاهل، ولا في إدارة الظهر. الرجولة في الحوار، في الإصغاء، في الاعتراف بالتقصير، في كسر حاجز الكبرياء قبل أن يكسر البيت كله.
أنقذوا بيوتكم قبل أن تتحول إلى ثلاجات تحفظ الأجساد وتدفن الأرواح.
تحدثوا قبل أن يتراكم الصمت حتى يصبح بينكم بحر لا يُجتاز.
لأن أخطر ما يهدد الأسرة ليس العاصفة… بل الجليد.
وحين يتجمد الدفء، لا تستغربوا أن تبحث القلوب عن شمس خارج الجدران.







