
لم تكن كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي من داخل أكاديمية الشرطة مجرد خطاب تقليدي يُلقى في مناسبة رسمية، بل كانت بمثابة جرس إنذار جديد يدق بقوة في ضمير الأمة، ليذكر الجميع بحقيقة لا تقبل الجدل: أمن مصر وصلابة مؤسساتها ليسا محل مساومة أو تجربة، بل خط أحمر لا يُسمح بالاقتراب منه مهما كانت الشعارات أو الادعاءات.
الرئيس تحدث بوضوح وصراحة عن دروس الماضي، مستحضرًا ما جرى خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011، تلك المرحلة التي كشفت بمرارة كيف يمكن أن تتحول الشعارات البراقة إلى فوضى عارمة إذا اختطفها الجهل واستغلتها قوى التطرف. لقد دفع الوطن ثمنًا باهظًا من استقراره وأمنه حين تسللت الفوضى إلى الشارع، وحين اعتقد البعض أن إسقاط مؤسسات الدولة يمكن أن يكون طريقًا للإصلاح.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح شديد، أن الدول لا تنهار فجأة، بل تُهدم تدريجيًا حين يتآكل وعي شعوبها. يبدأ الأمر بشائعة هنا، وتحريض هناك، ثم تتحول الأكاذيب إلى “حقائق” في عقول من لم يتسلحوا بالمعرفة. وهنا تتسلل الجماعات المتطرفة لتصنع من الفوضى منصة للنفوذ والسيطرة، مستغلة غضبًا مشروعًا أحيانًا، لكنها توظفه في مسار تخريبي لا علاقة له بالوطن أو مصلحته.
لقد أثبتت مصر خلال السنوات الماضية أن مؤسساتها ليست هشة كما تصور البعض، بل هي مؤسسات راسخة استطاعت أن تصمد في وجه عواصف كادت أن تعصف بدول كاملة في المنطقة. فالجيش المصري والشرطة والقضاء وبقية أجهزة الدولة وقفوا جميعًا كجدار صلب في مواجهة مخططات إسقاط الدولة وتمزيقها. لكن الحقيقة التي لا يجب تجاهلها أن قوة المؤسسات وحدها لا تكفي إذا لم يكن الشعب نفسه واعيًا بحجم المؤامرات التي تحيط بوطنه.
إن أخطر ما يواجه مصر اليوم ليس فقط الإرهاب أو التحديات الاقتصادية، بل محاولات تزييف الوعي وبث السموم الفكرية في عقول الشباب. فالجماعات المتطرفة وأعداء الاستقرار يدركون جيدًا أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل داخل العقول. ولذلك فإنهم يراهنون على نشر الجهل، وتغذية خطاب الكراهية، وتحويل وسائل التواصل إلى ساحات للفوضى الفكرية والتضليل.
ولهذا جاءت رسالة الرئيس واضحة لا تحتمل التأويل: الوعي الوطني هو السلاح الأقوى في مواجهة كل هذه المخاطر. فالدولة التي يمتلك شعبها وعيًا حقيقيًا لا يمكن إسقاطها، مهما كانت المؤامرات أو الضغوط. أما حين يضعف هذا الوعي، فإن أبواب الفوضى تُفتح على مصراعيها، وتتحول الأوطان إلى ساحات صراع لا رابح فيها.
إن استدعاء دروس 2011 ليس استدعاءً للخوف، بل للتذكير بالحقيقة القاسية: الفوضى لا تصنع حرية، والجهل لا يبني وطنًا، والتطرف لا يقود إلا إلى الخراب. وما شهدته المنطقة من انهيار دول وتفكك مجتمعات ليس بعيدًا عن الأذهان، بل هو تحذير حيّ لما يمكن أن يحدث حين يغيب العقل ويعلو صوت الفوضى.
مصر اليوم تقف بثبات بفضل تماسك مؤسساتها وقوة جيشها ووعي قطاع كبير من شعبها، لكن الحفاظ على هذا التماسك يتطلب يقظة دائمة. فالمعركة مع الجهل والتطرف لا تقل خطورة عن المعركة مع الإرهاب، بل ربما تكون أخطر، لأنها معركة طويلة تدور داخل العقول قبل أن تظهر على الأرض.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع: مصر دولة عريقة لا يمكن أن تُختطف مرة أخرى، ومؤسساتها ليست لعبة في يد المغامرين أو دعاة الفوضى. والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على قوة الدولة، بل على وعي شعبها، لأن الوعي هو خط الدفاع الأخير… وإذا سقط هذا الخط، سقط كل شيء بعده.






