عاجلمقالات

حسين محمود يكتب: المهنة والمسؤولية

أثارت التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى الطبيب ضياء العوضي، بشأن قرارات شطبه من نقابة الأطباء، حالة واسعة من الجدل داخل الأوساط الطبية والرأي العام، بعدما واجه تلك القرارات بنبرة ساخرة، مؤكدًا أنه غير مهتم بما وصفه بحملات التشهير ضده، وأن سحب الترخيص – على حد قوله – لا يعني تجريده من درجاته العلمية أو مسيرته المهنية.

القضية في جوهرها لا تتعلق بشخص بعينه بقدر ما تعكس إشكالية أعمق تتعلق بحدود المسؤولية المهنية والالتزام بالقواعد المنظمة لممارسة المهنة. فمهنة الطب ليست مجرد شهادة علمية أو لقب أكاديمي، بل هي قبل كل شيء رسالة إنسانية تحكمها ضوابط صارمة وقواعد أخلاقية تحمي المريض وتحفظ للمهنة مكانتها وهيبتها داخل المجتمع.

إن قرارات النقابات المهنية، وعلى رأسها نقابة الأطباء، لا تصدر من فراغ، بل تأتي عادة بعد تحقيقات وإجراءات قانونية وتنظيمية تهدف إلى صون شرف المهنة ومنع أي ممارسات قد تسيء إليها. ولذلك فإن التعامل مع مثل هذه القرارات بمنطق السخرية أو التقليل من شأنها يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مدى احترام المؤسسات المهنية والالتزام بقراراتها.

وفي الوقت نفسه، فإن أي صاحب حق يملك دائمًا الطرق القانونية للدفاع عن نفسه، سواء عبر الطعن على القرارات أو اللجوء إلى القضاء للفصل في النزاعات. فالدولة الحديثة تقوم على مؤسسات وقواعد واضحة، تضمن تحقيق العدالة للجميع دون استثناء، بعيدًا عن السجالات الإعلامية أو التصريحات المثيرة للجدل.

كما أن الحديث عن إعادة فتح العيادة أكثر من مرة بعد إغلاقها يسلط الضوء على ضرورة تشديد الرقابة على المنشآت الطبية الخاصة، والتأكد من التزامها الكامل بالقوانين المنظمة للعمل الطبي، لأن صحة المواطنين ليست مجالًا للمغامرة أو التجارب الفردية.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن احترام القواعد المهنية ليس خيارًا، بل التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا يحفظ كرامة المهنة قبل أي شيء آخر. فالمجتمع الذي يثق في طبيبه يمنحه أمانة تتجاوز حدود العلاج إلى الحفاظ على الحياة نفسها، وهي مسؤولية لا تحتمل الاستهانة أو الاستعراض الإعلامي.

ويبقى الحكم الفصل في مثل هذه القضايا للمؤسسات المختصة والقضاء، الذي يظل الضامن الحقيقي لتحقيق العدالة، وترسيخ مبدأ أن القانون فوق الجميع، وأن مكانة المهن الكبرى لا تُصان إلا بالالتزام والانضباط واحترام قواعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى